عرض مشاركة واحدة
قديم 13-01-2005, 07:36 pm   #1 (permalink)
arahman
The poet
 
الصورة الرمزية arahman
 
تاريخ التسجيل: Jul 2004
المشاركات: 1,558
افتراضي الاستبداد و المجد

أعزائي أعضاء المنتديات . . .
ما زلنا ننهل من هذا المعين المتجدد ، معين الكتاب الرائع " طبائع الاستبداد " للمفكر الشيخ
عبدالرحمن الكواكبي . . . و الآن بإمكانكم جميعا أن تستمتعوا بهذا الفصل ، ( الاستبداد و المجد )
هنا في المنتدى ، أو على الرابط التالي
[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا]
الاستبداد والمجد

من الحِكَمِ البالغة للمتأخرين قولهم: " الاستبداد أصلٌ لكل فساد"، ومبنى ذلك أن الباحث المدقق في أحوال البشر وطبائع الاجتماع كشف أن للاستبداد أثر سيئًا في كلِّ وادٍ، وقد سبق أن الاستبداد يضغط على العقل فيفسده ويلعب بالدين فيفسد، ويحارب العلم فيفسده، وإني الآن أبحث في أنه كيف يغالب الاستبداد المجد فيفسد ويقيم مقامه المتجمد.
المجد هو إحراز المرء مقام حب واحترام في القلوب، وهو مطلب طبيعي شريف لكل إنسان، لا يترفع عنه نبي أو زاهد ولا ينحط عنه دني أو خامل.
للمجد لذة روحية تقارب لذة العبادة عند الفانين في الله وتعادل لذة العلم عند الحكماء وتربو على لذة امتلاك الأرض مع قمرها عند الأمراء، وتزيد مفاجأة الإثراء عند الفقراء؛ ولذا يزاحم المجد في النفوس منزلة الحياة .
وقد أشكل على بعض الباحثين أيُّ الحِرْصَيْنِ أقوى؟ حرص الحياة أم حرص المجد والحقيقة التي عول عليها المتأخرون وميزوا بها تخليط ابن خلدون هي التفضيل؛ وذلك أن المجد مفضل على الحياة عند الملوك والقواد وظيفة، وعند النجباء والأحرار حمية؛ وحب الحياة ممتاز على المجد عند الإسراء والأذلاء طبيعيةً وعند الجبناء والنساء ضرورة . وعلى هذه القاعدة يكون أئمة آل البيت عليهم السلام معذورين في إلقائهم بأنفسهم في تلك المهالك لأنهم لما كانوا نجباء أحرارا ً فحميتهم جعلتهم يفضلون الموت كراما ً على الحياة ذل مثل حياة ابن خلدون الذي خطأ أمجاد البشر في أقدمها على الخطر إذا هدد مجدهم، ذاهلًا على أن بعض أنواع الحيوان ومنها البلبل وجدت فيها طبيعية اختيار الانتحار أحيانًا تخلصًا من قيود الذل، وأن الحرة تموت ولا تأكل بعرضها الماجدة تموت ولا تأكل بثدييها!
المجد لا ينال إلا بنوع من البذل في سبيل الجماعة وبتعبير الشرقيين في سبيل الله أو سبيل الدين، وبتعبير الغربيين في سبيل المدينة أو سبيل الإنسانية . والموالى تعالى المستحق التعظيم لذاته ما طالب عبيده بتمجيده إلا وقرن الطلب بذكر نعمائه عليهم .
وهذا البذل إما بذل مال للنفع العام ويسمى مجد الكرم وهو أضعف المجد، أو بذل العلم النافع المفيد للجماعة ويسمى مجد الفضيلة، أو بذل النفس بالتعرض للمشاق والإخطار في سبيل نصرة الحق وحفظ النظام ويسمى مجد النبالة، وهذا أعلى المجد وهو المراد عند الإطلاق؛ وهو المجد الذي تتوق إليه النفوس الكبيرة وتحن إليه أعناق النبلاء . وكم له من عشاق تلذ لهم في حبه المصاعب والمخاطرات وأكثرهم يكون من مواليد بيوت نادرة حمتها الصدف من عيون الظالمين المذلين، أو يكون من نجباء بيوت ما انقطعت فيها سلسلة المجاهدين وما انقطعت عجائزها عن بكائهم . ومن أمثلة المجد قولهم : خلق الله للمجد رجالًا يستعذبون الموت في سبيله، ولا سبيل إليه إلا بعظيم الهمة والإقدام والثبات تلك الخصال الثلاث التي بها تقدر قيم الرجال .
وهذا ( نيرون ) الظالم سأل ( أغربين ) الشاعر وهو تحت النطع : من أشقى الناس؟ فأجابه معرضًا به : من إذا ذكر الناس الاستبداد كان مثالًا له في الخيال . وكان ( وترابان ) العادل إذا قلد سيفًا لقائد يقول له : هذا سيف الأمة أرجو أن لا أتعدى القانون فلا يكون له نصيب في عنقي . وخرج قيس من مجلس الوليد مغضبًا يقول : أتريد أن تكون جبارًا والله أن نعال الصعاليك لأطول من سيفك . و قيل لأحد الأباة ما فائدة سعيك غير جلب الشقاء على نفسك فقال : ما أحلى الشقاء في سبيل تنغيص الظالمين . وقال آخر: على أن أفي بوظيفتي وما علي ضمان القضاء . وقيل لأحد النبلاء : لماذا لا تبنى لك دارًا ؟ فقال ما اصنع فيها وأنا المقيم على ظهر الجواد أو في السجن أو في القبر؛ وهذه ذات النطاقين ( أسماء بنت أبى بكر رضي الله عنها ) وهي امرأة عجوز تودع ابنها بقولها : إن كنت على الحق فاذهب وقاتل الحجاج حتى تموت . وهذا (مكماهون) رئيس جمهورية فرنسا استبد في أمر واحد فدخل عليه صديقه غامبتا وهو يقول : الأمر للأمة لا إليك، فاعتدل أو اعتزال وإلا فأنت المخذول المهان الميت !
والحاصل أن المجد هو المجد محبب للنفوس لايفيأ تسعى وراءه وترقى مراقيه، وهو ميسر في عهد العدل لكل إنسان على حسب استعداده وهمته، وينحصر تحصيله في زمن الاستبداد بمقاومة الظلم على حسب الإمكان.
يقابل المجد من حيث مبناه التمجُّد؟ وما هو التمجُّد؟ وماذا يكون التمجيد؟ التمجيد لفظ هائل المعنى ولهذا أراني أتعثر بالكلام أتلعثم في الخطاب، ولا سميا من حيث أخشى مساس إحساس بعض المطالعين؛ إن لم يكن من جهة أنفسهم فمن جهة أجدادهم الأولين، فأناشدهم الوجدان والحق المهان، أن يتجردوا دقيقتين من النفس وهواها، ثم هم مثلي ومثل سائر الجانين على الإنسانية لا يعدمــون تأويلًا . وإنني أعلل النفس بقبولهم تهويني هذا فأنطلق وأقول:
التمجد خاص بالإدارات المستبدة، وهو القربى من المستبد بالفعل كالأعوان والعمال، أو بالقوة كالملقبين بنحو دوق وبارون، والمخاطبين بنحو رب العزة ورب الصولة، أو الموسومين بالنياشين
أو المطوقين بالحمائل؛ وبتعريف؛ آخر التمجيد هو أن ينال المرء جذوة نار من جهنم كبرياء المستبد ليحرق بها شرف المساواة في الإنسانية .
وبوصف أجلى هو أن يتقلد الرجال سيفًا من قبل الجبار يبرهن به على أنه جلاد في دولة الاستبداد، أو يعلق على صدره وسامًا مشعرًا بما وراء من الوجدان المستبيح للعدوان أو يتزين بسيور مزركشة تنبئ بأنه صار مخنثًا أقرب إلى النساء منه إلى الرجال، وبعبارة أوضح وأخصر هو أن يصير الإنسان مستبدًا صغيرًا في كنف المستبد الأعظم .
قلت إن التمجيد خاص بالإدارات الاستبدادية؛ وذلك لأن الحكومة الحرة التي تمثل عواطف الأمة تأبى كل الإباء إخلال التساوي بين الأفراد إلا لفضل حقيقي، فلا ترفع قدر أحد منها إلا رفعًا صوريًا أثناء قيامه في خدمتها أي الخدمة العمومية وذلك تشويقًا له على التفاني في الخدمة، كما أنها لأتميز أحدًا منها بوسام أو تشرفه بلقب إلا ما كان علميًا أو ذكر لخدمة مهمة وفقه الله إليها . وبمثل هذا يرفع الله الناس بعضهم فوق بعض درجات في القلوب لا في الحقوق .
وهذا لقب اللوردية مثلًا عند الإنكليز هو من بقايا عهد الاستبداد، ومع ذلك لا يناله عندهم غالبًا إلا من يخدم أمته خدمة عظيمة ويكون من حيث أخلاقة وثروته أهلًا لأن يخدمها خدمات مهمة غيرها، ومن المقرر أن لا اعتبار للورد في نظر الأمة إلا إذا كان مؤسسًا لا وارثًا، أو كانت الأمة تقرأ في جبهته سطرًا محررًا بقلم الوطنية وبمداد الشهامة ممضي بدمه يقسم فيه بشرفه أنه ضمين بثروته وحياته ناموس الأمة أي قانونها الأساسي، حفيظ على روحها أي حريتها .
التمجيد لا يكاد يوجد له أثر في الأمم القديمة إلا في دعوى الألوهية وما بمعناها من نفع الناس بالأنفاس، أو في دعوى النجابة بالنسب التي يهول بها الأصلاء نسل الملوك والأمراء، وإنما نشأ التمجد بالألقاب والشارات في القرون الوسطى وراج سوقه في القرون الأخيرة ثم قامت فتاة الحرية تتغنى بالمساواة وتغسل أدرانه على حسب قوتها وطاقتها ولم تبلغ غايتها إلى الآن في غير أمريكا .
المتمجدون يريدون أن يخدعوا العامة، وما يخدعون غير نسائهم اللاتي يتفحفحن بين عجائز الحي بأنهم كبار العقول كبار النفوس أحرار في شؤونهم لا يزاح لهم نقاب، ولا تصفع منهم رقاب؛ فيحوجهم هذا المظهر الكاذب لتحمل الإساءات والإهانات التي تقع عليهم من قبل المستبد؛ بل تحوجهم للحرص على كتمها بل على إظهار عكسها، بل على مقامة من يدعي خلافها؛ بل على تغليط أفكار الناس في حق المستبد وأبعادهم عن اعتقاد أن من شأنه الظلم .
وهكذا يكون المتمجدون أعداءً للعدل أنصارًا للجور، لا دين ولا وجدان ولا شرف ولا رحمة، وهذا ما يقصده المستبد من إيجادهم والإكثار منهم ليتمكن بواسطتهم من أن يغرر الأمة على إضرار نفسها تحت اسم منفعتها؛ فيسوقها مثلًا لحرب اقتضاها محض التجبر والعدوان على الجيران فيوهمها أنه يريد نصرة الدين، أو يسرف بالملايين من أموال الأمة في ملذاته وتأييد استبداده باسم حفظ شرف الأمة وأبهة المملكة . أو يستخدم الأمة في التنكيل بأعداء ظلمه باسم أنهم أعداء لها . أو يتصرف في حقوق المملكة والأمة كما يشاؤه هواه باسم أن ذلك من مقتضى الحكمة والسياسة .
والخلاصة أن المستبد يتخذ المتمجدين سماسرة لغرير الأمة باسم خدمة الدين، أو حب الوطن أو توسع المملكة أو تحصيل منافع عامة أو مسؤولية الدولة أو الدفاع عن الاستقلال، والحقيقة أن كل هذه الدواعي الفخيمة العنوان في الأسماع والأذهان ما هي إلا تخييل وإيهام يقصد بها رجال الحكومة تهييج الأمة وتضليلها حتى انه لا يستثنى منها الدفاع عن الاستقلال، لأنه ما الفرق على أمة مأسورة لزيد أن يأسرها عمرو ؟ وما مثلها إلا الدابة التي لا يرحمها راكب مطمئن، مالكًا كان أو غاضبًا المستبد لاستغني عن أن يستمجد بعض أفراد من ضعاف القلوب الذين هم كبقر الجنة لا ينطحون ولا يرمحون، يتخذهم كأنموذج البائع الغشاش على انه لا يستعملهم في شي من مهامه فيكونون لديه كمصحف في خمارة أو سبحة في يد زنديق، وربما لا يستخدم أحيانًا بعضهم في بعض الشؤون تغليطًا لأذهان العامة في أنه لا يعتمد استخدام الأراذل والأسفل فقط ولهذا يقال دولة الاستبداد دولة بله وأوغاد .
المستبد يجرب أحسانا ً في المناصب والمراتب بعض العقلاء الأذكياء أيضا اغترارًا منه بأنه يقوى على تليين طينتهم وتشكيلهم بالشكل الذي يريد فيكونوا له أعوانًا خبثاء ينفعونه بدهائهم، ثم هو بعد التجربة إذا خاب ويئس من إفسادهم يتبادر إبعادهم أو ينكل بهم . ولهذا لا يستقر عند المستبد إلا الجاهل العاجز الذي يعبده من دون الله، أو الخبيث الخائن الذي يرضيه ويغضب الله .
وهنا أنبه فكر المطالعين إلى أن هذه الفئة من العقلاء الأمناء بالجملة، الذين يذوقون عسيلة مجد الحكومة وينشطون لخدمة الأمة ونيل مجد النبالة، ثم يضرب على يدهم لمجرد أن بين أضلعهم قبسة من الإيمان وفي أعينهم بارقة من الإنسانية، هي الفئة التي تتكهرب بعداوة الاستبداد وينادى أفرادها بالإصلاح . وهذا الانقلاب قد أعيى المستبدين لأنهم لا يستغنون عن التجربة ولا يـأمنون هذه المغبة . ومن هنا نشأ اعتمادهم في التجربة غالبًا على العريقين في خدمة الاستبداد الوارثين من آبائهم وأجدادهم الأخلاق المرضية للمستبدين، ومن هنا ابتدأت في الأمم نغمة التمجد بالأصالة والأنساب، والمستبدون المحنكون يطيلون أمد التجربة بالمناصب الصغيرة فيستعلمون قاعدة الترقي مع التراخي ويسمون ذلك برعاية قاعدة القدم، ثم يختمون التجريب بإعطاء المتمرن خدمة يكون فيها رئيسًا مطلقًا ولو في قرية، فان أظهر مهارة في الاستبداد، وذلك ما يسمونه حكمة الحكومة فبها ونعمت، وإلا قالوا عنه هذا حيوان يا ضيعة الأمل فيه .
إن للأصالة مشاكله قوية للمجد والتمجد فلا بد أن نبحث فيها قليلًا ثم نعود لموضوع المستبد وأعوانه المتجمدين فأقول:
الأصالة صفة قد يكون لها بعض المزايا من حيث الأميال التي يرثها الأبناء من الآباء، ومن حيث التربية التي تكون مستحكمة في البيت ولو رياء، ومن حيث إن الأصالة تكون مقرونة غالبًا بشيء من الثروة المعينة على مظاهر الشهامة والرحمة، ومن حيث إن الثروة تعين أهل البيت على إخفاء بعض رذائلهم عن أولادهم، ومن حيث إنها مدعاة غالبًا للتمثل بالأقران مشوقة للتفوق والتميز، ومن حيث تقويتها العلاقة بالأمة والوطن خوف مذلة الاغتراب، ومن حيث إن أهلها يكونون منظورين دائمًا فيتحاشون المعائب والنقائص بعض التحاشي .
__________________
نـَقـــُـــولُ : " أرْوَاحُـنــَـــا لله خـَالِـصَــــــة ٌ "
و أغـْـلـَـبُ الـنـَّـاس ِ لـلـزِّنـْـدِيـق ِ قــَـدْ سَـجَــدُوا !

نـَقــُــولُ : " يَـــا رَبـَّنـَــا ثـَبـِّــتْ عَـزَائِـمَـنـَــا "
لـكِــــنْ فـَرَائِـصُـنـَـــا لـلـوَغــْــدِ تـَرْتـَعِــــدُ ! ! !

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا]

التعديل الأخير تم بواسطة : arahman بتاريخ 13-01-2005 الساعة 10:00 pm.
Offline   رد مع اقتباس
مساحة اعلانية
 

منتديات آراءنا
شاركنا مجتمعنا الصغير وتحدث بُحرية حول كل شيء!
www.araana.com