بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المذكرة :
تعد إشكالية المصطلح من أهم القضايا التي شغلت وبقوة بال العلماء عامة ، وعلماء اللغة العربية خاصة فكانت بحق الشغل الشاغل الذي شغلهم ، فبتعدد العلوم تعددت المصطلحات ، فأصبح لكل علم قائم مصطلحاته الخاصة به ، وبما أن للدراسات اللغوية علم قائم بذاته ،فلها مصطلحاتها الخاصة بها ، ومن المعروف أن المصطلح يتولد من خلال التفاعل الذي يحدث بين النظرية الأدبية التي ينتمي إليها وبين دلالته الفكرية والثقافية ، فكل مصطلح لابد من أن يشير إلى مضمون معين أو دلالة معينة ، وهذا المضمون أو هذه الدلالة هي التي تسمح للمتلقي بالتواصل ، وإذا كان هذا المضمون غير واضح تماما في ذهن المتلقي فإن التواصل لا يتم . ومن ثم فإن المصطلح عبارة عن ثقافة فكرية ، لأن الدلالة أو المضمون الذي ينطوي عليه هو مضمون خاص به ، وأن الدلالة انتقلت من معناها العام إلى معناها الخاص ، وهذا الانتقال من العموم إلى الخصوص هو الذي يعطيها طابعها الاصطلاحي ، مع الاحتفاظ ببعض الحدود المشتركة الموضوعية التي تُقَرِّبُ الدلالة من ذهن المتلقي .
وعندما ينتقل المصطلح من ثقافة إلى أخرى ، ومن بيئة إلى أخرى ، تتلاشى تلك الحدود الموضوعية التي كانت تحافظ على دلالته الخاصة .
ومن هنا فإن ربط المصطلح بالثقافة التراثية أمر ضروري ، كون التراث عبارة عن نتائج لعملية تراكم معرفي تتم عبر تاريخ الأمة الطويل ، وهذا التراكم يشارك في تكوين ثقافتها إضافة إلى جانب مكتسب من الاحتكاك بثقافة الآخر ، عن طريق الترجمة أو التعريب أو الاشتقاق ، هذا الصراع بين التراث وثقافة الآخر هو الذي كون مركز هذا البحث المتواضع ،فحاولنا أن نتناول مدونة تراثية تمثلت في كتاب (التعريفات) لـ (لشريف الجرجاني)
من حيث مصطلحاتها اللسانية باختلافلها ( صوتية ، صرفية ، نحوية ، دلالية ) .
فالذي شدّنا لاختيار مثل هذا الموضوع هو هيمنة الحضور الغربي على ثقافتنا وأدبنا ، و التحولات الكبرى التي أفرزتها العولمة الزاحفة ، فارتأينا أن نتناول موضوعا تراثيا من منظور هذه التحولات ، لنثبت أن لنا تراثا جديرا بالدراسة والتحليل ، وكذلك سبق العرب في دراسة المستويات اللسانية وإن لم تكن بالتوسع والدّقة الذي نشهده الآن ، لأن القدامى لم تكن لديهم التخصصات المعروفة في زماننا ، إذ كان لديهم ما يعرف بالرجل الموسوعة الذي يأخذ من كل فن بطرف ، ولو وُجد التخصص لكانت الجهود اللغوية أثرى مما وصلتنا .
فيا ترى هل المصطلحات اللسانية التي أوردها ( الشريف الجرجاني ) في مدونته هي نفسها المصطلحات التي أوردها اللغويون بعده ؟ وهل تحمل المعنى الذي أراده ( الشريف الجرجاني ) في عصره ، أم اكتسبت معنىً جديدا على مر العصور وتطور العلوم ؟ وهل يمكن أن يشترك مصطلح واحد في أكثر من تخصص ؟ وإلى أي مدى بلغ العرب في دراساتهم اللغوية ؟ .
لذا كان عنوان بحثنا " المصطلحات اللسانية في كتاب التعريفات للشريف الجرجاني " .
وبما أن بحثنا متعلق بالمصطلحات اللسانية كان لزاما أن نراعي فيه مستويات اللغة ، فقُسِّم البحث أربعة فصول يتصدرها مدخل ، ويَعْقُبُها خاتمة ، أما المدخل فتضمن عنصرين ، الأول في ماهية المصطلح ، والثاني لصاحب
الكتاب ، لنلج الفصل الأول الذي صنفنا فيه المصطلحات الصوتية مدرجة تحت عنوان ( المصطلحات الصوتية ) ثم فصل ثان بعنوان ( المصطلحات الصرفية ) أدرجنا فيه المصطلحات الصرفية التي أوردها (الشريف الجرجاني)
في كتابه ، ففصل ثالث بعنوان (المصطلحات النحوية) أدرجنا فيه هذه المصطلحات ، وفصل رابع بعنوان
( المصطلحات الدلالية ) أدرجنا فيه المصطلحات البلاغية التي أوردها (الشريف الجرجاني) ، لنختم بخاتمة أوردنا فيها أهم النتائج المُتوصل إليها .
وقد اعتمدنا في دراستنا هذه المنهج الإحصائي ، لأنه المناسب لمثل هذه الدراسات . ولأنه بمثابة الضرورة الحتمية التي لا يمكن التخلص منها في بحثنا هذا .
وقد استقينا مادة بحثنا من عدة مصادر ومراجع أهمها :
ـ الأسس اللغوية لعلم المصطلح لمحمود فهمي حجازي .
ـ المعجم المفصل في علم العروض والقافية وفنون الشعر لإميل بديع يعقوب .
ـ المعجم المفصل في علوم البلاغة البديع والبيان والمعاني لإنعام عكاوي .
ـ علم الدلالة لأحمد مختار عمر.
و بما أنه لا يخلو بحث من صعوبات ،فقد واجهتنا بعض الصعوبات نذكر منها :
عدم حصولنا على أي بحث أو دراسة أو مرجع تناول كتاب ( التعريفات ) بالتحليل و الدراسة .
وكذلك تعدد المصطلحات و تنوعها في ظل الأزمة التي يعانيها المصطلح و اختلاف عوامل توليدها من تعريب
وترجمة و اشتقاق.
وإننا إذ نستمتع بعناء البحث ، نتقدم بجزيل الشكر إلى الأستاذة المشرفة التي و بحق لم تبخل علينا بملاحظاتها القيمة و إرشادنا إلى أهم المصادر والمراجع ، التي استعنا بها في إنجاز بحثنا ، و لكل من مد لنا يد العون ولو بكلمة طيبة فجزاهم الله عنَّا كريم الجزاء .
خاتمة المذكرة :
إن دراسة المصطلح موضوع جوهري داخل الحقل اللساني ، بحكم المكانة الهامة التي يحتلها في الدراسات اللغوية ، وكذلك التنوع الذي يطبع مستويات اللغة والطرق التي تعمل على بنائها في مختلف مستوياتها ( صوتية ، صرفية نحوية دلالية ) .
- لقد كان العرب من الأوائل في مجال صناعة المعاجم ، وذلك بفضل جهود الخليل والذين جاؤوا من بعده ، وكانوا أول من خرج إلى الفيافي والقفار ، لجمع الألفاظ واللهجات القحة من أفواه أهلها من منطلق ارتباط اللغة بواقعها . وجاء من جمع هذه المصطلحات ومن بينهم (الشريف الجرجاني) القائل : " فهذه تعريفات جمعتها ، واصطلاحات أخذتها من كتب القوم ، ورتبتها على حروف الهجاء ، من الألف والباء إلى الياء تسهيلا لتناولها للطالبين
وتيسيرا لتعاطيها للراغبين ، والله الهادي وعليه اعتمادي ، في مبدئي ومعادي " .
لكن عندما نأخذ هذا الإرث الثقافي الكبير ونحاول أن نمعن فيه النظر نجد أنه انبثق أساسا من جهود فردية أخذت على عاتقها بناء معاجم عربية تحفظ اللغة العربية من الشتات ، فأين نحن من جهود السابقين فالظروف متاحة ، والموارد موجودة ، والمعاني ملقاة ، وسبل التقاط المعرفة في متناول الجميع ، و اللغة العربية قادرة
على توليد ما لا يعد ولا يحصى من المصطلحات لو أحسنا التعامل معها بما يجب من الدقة والاجتهاد ، فاللغة تبقى قوية بأهلها ، وتضعف بضعفهم .
ـ يظهر جليا وبخاصة في الفصل الأول المتعلق بالصوت أن ( الشريف الجرجاني ) تأثر بسابقيه وخاصة (الخليل)
إذ معظم المصطلحات ـ إن لم نقل كلها ـ عروضية أوردها (الخليل ) في معجمه العين .
ـ إمكانية اشتراك مصطلح واحد بين تخصصين ، كل تخصص ينظر إليه بمنظاره ، كمصطلح( النظم ، الابتداء الإبداع ، الاستعانة ..) .
ـ تَغَيُّرُ بعض المصطلحات من حيث اللفظ لا المعنى بتغير متطلبات العصر ، كمصطلح ( غير المنصرف ) الذي يُعرف الآن بـ ( الممنوع من الصرف ) .
ـ إن الشريف الجرجاني كان مُلما بجميع العلوم وليس متخصصا في مجال بعينه ، ويظهر ذلك جليا من خلال كتابه ( التعريفات ) الذي أورد فيه مصطلحات في مختلف المجالات .
ـ إذا ما تناول ( الشريف الجرجاني ) مصطلحا مختلفا فيه بين مدرستين كالبصرة والكوفة ، فإنه يذكر الخلاف دون تفصيل و لا ترجيح ودون إبداء رأيه .
ـ معظم المصطلحات البلاغية التي أوردها ( الشريف الجرجاني ) هي الآن ضمن مجال علم الدلالة .
وفي كلمتنا الختامية ما عسانا إلا أن نقول : إن الإنسان ليكتب عمله ويتعب عليه ، وما إن تمر عليه أيام قلائل حتى تهاجمه جنود الرغبة في تطوير عمله ، وذلك بإضافة أو حذف شيء منه ، وهذا شأو الإنسان الساعي دائما وأبدا إلى الكمال الذي لا يبلغ .
بقلم الطالب زكرياء مخلوفي
قسم اللغة العربية و آدابها
جامعة سطيف ـ الجزائر .