أخبار الأذكياء أجل الأشياء موهبة العقل حيث به تضبط المصالح وتلحظ العواقب وتدرك الغوامض وتجمع الفضائل ونحن إذ نذكره هنا فذلك لتلقيح لباب السامعين إذا كان فيهم نوع إستعداد لنيل تلك المرتبة ، وقد ثبت أن رؤية العاقل ومخالطته تفيد ذا اللب ، فسماع أخباره تقوم مقام رؤيته كما قال الرضي :
فاتني أن أري الديار بطرفي
فلعلي أعي الديار بسمعي
ومن العلامات التي يستدل بها علي قوة العقل وجودة الفطنة الخلق المعتدل والبنية المتناسبة ، وإذا غلظت الرقبة دلت علي قوة الدماغ ووفوره ، ومن كانت عينه تتحرك بسرعة وحدة فهو مكار محتال لص ، وإذا كانت العين صغيرة غائرة فصاحبها مكار حسود ، أما الأفعال التي يستدل بها علي عقل العاقل فهي سكونه وخفض بصره وحركاته في أماكنها اللائقة بها ومراقبته للعواقب ، فلا تستفزه شهوة عاجلة عقباها ضرر ، وتراه ينظر في الفضاء ، فيتخير الأعلي والأحمد عاقبة من مطعم ومشرب وملبس وقول وفعل ، ويترك مايخاف ضرره ، ويستعد لما يجوز وقوعه .
وفي سياق المنقول من ذلك عن الأنبياء المتقدمين ...
* لما شب إسماعيل عليه السلام تزوج إمرأة من جرهم ، فجاء إبراهيم عليه السلام فلم يجد إسماعيل ، فسأل أمرأته ، فقالت : خرج يبتغي لنا ، ثم سألها عن عيشهم ، فقالت : نحن بشر في ضيق وشدة وشكت إليه ، فقال : إذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام وقولي له : يغير عتبة بابه ، فلما جاء فأخبرته ، فقال : ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك .
* جاء رجل إلي سليمان عليه السلام فقال : يانبي الله إن لي جيرانا يسرقون إوزي ، فنادي : الصلاة جامعة ، ثم خطبهم فقال في خطبته : وأحدكم يسرق إوز جاره ، ثم يدخل المسجد والريش علي رأسه فمسح رجل برأسه فقال سليمان : خذوه فإنه صاحبكم .
* روي عن عيسي عليه السلام أن إبليس جاء إليه ، فقال له : ألست تزعم إنه لايصيبك إلا ماكتب الله لك ؟ قال : بلي ، قال : فأرم نفسك من هذا الجبل ، فأنه إن قدر لك السلامة تسلم ، فقال له : ياملعون إن لله عز وجل أن يختبر عباده وليس للعبد أن يختبر ربه عز وجل .
ومن المنقول عن أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم ...
* لما خرج رسول الله صلي
الله عليه وسلم وأبوبكر من الغار لم يستقبلهما أحد يعرف أبابكر إلا قال له : من هذا معك يا أبا بكر ؟ فيقول : دليل يدلني الطريق ، وصدق والله أبوبكر .
* وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خرج يعس المدينة باليل ، فرأي نارا موقدة في خباء ، فوقف وقال : يا أهل الضوء وكره أن يقول يا أهل النار ، وهذا من غاية الذكاء .
* جاء رجل إلي علي بن أبي طالب ، فأطراه وكان يبغضه ، فقال له علي : إني ليس كما تقول وأنا فوق مافي نفسك .
* وروي أن رجلا جاء إلي حاجب معاوية فقال له : قل له علي الباب أخوك لأبيك وأمك ، فقال معاوية : ما أعرف هذا ، ثم قال : ائذن له ، فدخل ، فقال له : أي الأخوة أنت ؟ فقال : إبن أدم وحواء ، فقال معاوية : ياغلام أعطه درهم ، فقال : تعطي أخاك لأبيك وأمك درهما ، فقال معاوية : لو أعطيت كل أخ لي من آدم وحواء مابلغ إليك هذا .
__________________
الألفاظ هي الثياب التي ترتديها أفكارنا فيجب ألا تظهر أفكارنا في ثياب رثة بالية .
|