متى التمرّد على «الكنيسة الوهّابية»؟
د. جمال واكيم
إنه العام 1453. السلطان العثماني محمد الثاني استطاع أخيراً احتلال القسطنطينية بعد حصار دام ثلاثة أشهر. قوات الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر انهارت عند الأسوار التي بناها الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير قبل أحد عشر قرناً من ذلك التاريخ لتدخل المدينة في مرحلة جديدة من تاريخها. أصبحت القسطنطينية عاصمة الإسلام الأولى في العالم بعد أن كانت عاصمة المسيحية الأولى منذ تأسيسها على يد الإمبراطور قسطنطين الأول في بدايات القرن الرابع الميلادي. السلطان محمد الثاني أطلق على نفسه لقب الفاتح، وحوّل كنيسة «آيا صوفيا» التي بنيت في عهد الإمبراطور جوستنيان في النصف الأول من القرن السادس إلى مسجد سمي على اسمه، مسجد السلطان محمد الفاتح.
اسطنبول - القسطنطينية: كيف استمر التراث "البيزنطي".
لم يكن السلطان الشاب يطمع بإزالة تاريخ المدينة المسيحي عبر اجتياحها وتحويل قمة الإبداع فيها «آيا صوفيا» إلى معبد إسلامي». لقد كان في مخيلة الفاتح طموح في أن يكون لا خليفة رسول الله فقط، بل خليفة عمر وعلي وأبي بكر وعثمان وصلاح الدين، وأيضا الإسكندر المقدوني ويوليوس قيصر وقسطنطين وجوستنيان، على عرش عاصمة العالم. وهو بتحويله «آيا صوفيا» إلى مسجد كان يعلن استمرار هذا التراث «البيزنطي» بعنوان جديد هو الإسلام. آية الحكمة التي بنيت احتفاءً باكتشاف هندسي اعتبر ثورياً في ذلك الوقت وهو «تربيع الدائرة» جسدت في تحولها إلى مسجد إحياء لدور المدينة الذي أفل منذ الحرب الصليبية الرابعة عقب نهبها على يد «حلفائها»، صليبيي الغرب وعلى رأسهم مدينتي البندقية وجنوا. القسطنطينية عادت مجدداً عاصمة العالم بعد تراجع دورها لمدة قرنين ونصف القرن من الزمن. شرف لم تنله غرناطة الإسلامية التي سقطت في يد الإسبان بعد نصف قرن من ذلك التاريخ وتحوّلت بعدها إلى مدينة منسية.
التحدي الذي واجه محمد الفاتح في ذلك الوقت كان في أنه حاكم مسلم أضحى يحكم غالبية مسيحية من السكان وتحديداً من طائفة الروم الأورثوذوكس. كان الخوف من أن يتمرد هؤلاء على السلطان برغم تسامحه وذلك بتحريض من الغرب الذي دعا إلى صليبية جديدة عقب سقوط القسطنطينية. من أجل هذا أتى محمد الفاتح بالراهب الأورثوذوكسي المعادي للتفاهم مع الغرب ونصبه بطريركاً على الكنيسة الأورثوذوكسية، مع فارق هذه المرة أن البطريرك أضحى لأول مرة هو رأس الكنيسة الأورثوذوكسية لا الإمبراطور البيزنطي. وقد منحه السلطان لا السلطة فقط على رعايا كنيسته بل أيضاً السلطة على كل المسيحيين الذين يعيشون في ظل الدولة العثمانية. وبذلك ضمن محمد الثاني للدولة العثمانية أن تنال عبر الكنيسة الأورثوذوكسية ولاء الرعايا الأورثوذوكس في السلطنة...
آنه العام 1756. فرنسا هزمت في حرب المستعمرات أمام بريطانيا إن في أميركا الشمالية أو في المحيط الهندي. كندا الفرنسية سقطت في يد الإنكليز الذين دخلوا إلى مونتريال، وكيبيك، ودعموا دور الكنيسة الكاثوليكية، و«أعطوها» استقلاليتها عن فرنسا، وعبرها حكموا الكنديين الفرنسيين من دون حاجة للحديد والنار مدة مئتين وخمسين سنة...
إنه العام 1860. فرنسا التي تتصارع بين علمانيين وكاثوليك تستعيد حلم الشرق القديم وتحط برحالها على شواطىء لبنان، تفرض رعايتها على الكنيسة المارونية التي «تصبح مستقلة عن سلطة الإقطاع» وبهذا تصبح فرنسا الأم الحنون للمسيحيين.
إنه العام 1899، بريطانيا الخائفة من تمدد العثمانيين وحلفائهم الألمان نحو الخليج العربي توقع «اتفاق حماية» مع حاكم الكويت، وتدعم عبد العزيز آل سعود في «غزوته» على الرياض في العام 1902، ومعه تنفض الغبار عن «كنيسة» الوهابيين وتدفع بهم نحو عقد تحالف مع ابن سعود. إن كان من الضروري حكم الجزيرة العربية من دون حديد ونار فلتكن «كنيسة» إسلامية مستقلة عن إسطنبول، مستقلة عن القاهرة، مستقلة عن دمشق، باسمها «يحكم المسلمون».
إنه العام 1945. الولايات المتحدة تنتصر في الحرب العالمية الثانية، هي أكبر المنتصرين، وهي تريد أن ترث التركة البريطانية، ومعها ترث «كنائس» بريطانيا. إنه «الإسلام يختطف» كما يعلن الصحافي محمد حسنين هيكل، يختطف ليمهد للسيطرة الأميركية. إنها «كنيسة» وهابية تكفر المذاهب الإسلامية كافة ولا تعترف إلا بنفسها، تكفِّر الأنظمة العربية كافة ولا تعترف إلا بالمملكة التي سميت على اسم مؤسسها، السعودية، وبمن والاها. إنها الوهابية تستفيد من النفط لتتحول إخواناً يحضرون لانقلاب على عبد الناصر في العام 1965. لتتحول إخواناً يحاولون الانقلاب على حافظ الأسد في سوريا في العام 1982. لتتحول إلى «مجاهدين» ضد «الإلحاد السوفياتي» في أفغانستان، لتتحول إلى صحافة بإعلان غالبيته سعودي، لتتحول إلى هجمات على نيويورك وواشنطن، يليها اجتياح الولايات المتحدة لأفغانستان والعراق. «يقبض» على البعث مع القبض على الرئيس العراقي صدام حسين، و«يعدم» البعث، والوهابية طليقة مع أسامة بن لادن يطاردها الأميركيون ليبرروا مزيداً من حروب السيطرة على العالمين العربي والإسلامي.
إنه القرن السابع عشر والثامن عشر، مجموعات تتمرد على سلطة الكنيسة الأورثوذوكسية في السلطنة العثمانية لتشكل الأقليات المسيحية التي أصبحت كاثوليكية بعد اعترافها بسلطة البابا «نكاية» ببطريرك الأورثوذوكس. هذه الطوائف هي التي أدخلت المطبعة إلى العالم الإسلامي في القرن الثامن عشر وهي التي أضحت عنوان التحديث في السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر...
إنها الستينيات من القرن العشرين. الكنديون الفرنسيون يتمردون على سلطة الكنيسة الكاثوليكية، إنها الخطوة الأولى نحو توحيد جهودهم للمطالبة بحقوقهم كأقلية قومية في كندا.
إنها أواخر الثمانينيات في لبنان. أنصار ميشال عون يتوجهون إلى بكركي للتعبير عن غضبهم من موقف البطريرك الداعم لاتفاق الطائف. إنه تمرد على الكنيسة يبدأ مساساً بجبة البطريرك وبقلنسوته، وينتهي في بدايات القرن الحادي والعشرين بحركة جماهيرية يتزعمها الجنرال المتمرد نحو «حالة تحديث» ولو في إطار الطائفة المسيحية في لبنان.
في الحالات الثلاث جاء التغيير عقب التمرد على الكنيسة، فهل نشهد تمرداً على «الكنيسة» الوهابية في العالمين العربي والإسلامي يؤدي إلى تغيير في الأوضاع السياسية السائدة فيه منذ ما بعد وفاة جمال عبد الناصر في العام 1970؟
د. جمال واكيم
__________________
فقل للشامتين بنا أفيقوا
سيلقى الشامتون كما لقينا
فوالينا ....... أدَام اللهُ والينا
.......رآنا أمةًً ً وسطاً........
..............فما أبقى لنا دنياً
ولا أبقى لنا دينا ............