عجائب المقادير .. في غرائب حبيبة الجماهير
فكّر "الصحفي" طويلا في إجراء حوار مع أهل كرة القدم،لمحاولة فهم ما جرى ويجري من عجائب وغرائب بين المصريين والجزائريين،إلى أن استقر رأيه على صعوبة العثور على العقلاء بين الكرويين ومشجعيهم .فجأة وقعت على سطح الماء كرة قدم،فالتقطها وسار بها بعيدا في عرض البحر،وأجرى معها هذا الحوار:
الصحفي:
ما الذي فعلته بالأمّة العربية،التي لم تكن في حاجة إلى مهازل جديدة؟وهل تتصوّرين أن العرب سيظلون يحبّونك ،مجانين بك ،مثلما كانوا ،بعد هذه المأساة الملهاة بين مصر والجزائر؟
الكرة:
صدقت،هم فعلا مجانين بي،ولكن،لأسباب منطقية وموضوعية .فأنا أشبه الأمّة العربية كثيرا.هي أيضا يلعب بها الناس من كل الأجناس،يركلونها،يطيّرونها في الهواء،وليس لها أيّ ردّ فعل غير الرضا.وهي أيضا مكوّرة مدوّرة،لا رأس لها.مشكّلة من قطع تربطها خيوط سريعة العطب والانفصام.وهي مثلي تحبّ النفخ،ولذلك هي جوفاء من الداخل،ولا وزن لها يذكر.هل أزيدك؟هي أيضا لا تستطيع الحفاظ على التحليق،فكلما طارت وقعت.وهي أيضا مثلي ،عند تسجيل الأهداف،لا تكون الأهداف المسجّلة لمصلحتها هي وإنما لمصلحة اللاعبين بها.
الصحفي:
كلامك معقول،وليس لديّ في هذا ما أقول.لكن المفارقة الغريبة،هي أن العالم يلعب بالكرة ،والكرة تلعب بالعرب.ألا يعني هذا أنك تسلكين سلوكا معيّنا وبالذات في المضارب اليعربية؟لا أقصد بالضرورة نظرية المؤامرة.
الكرة:
أنت تعلم جيدا أنني حضرت كل مباريات الدنيا،ومن دون استثناء.ولم أسمع يوما مشجعين يرفعون شعارات ،أو يهتفون بهتافات تعيد إلى الأذهان معارك وحروبا أكل عليها الدهر وشرب،إلاّ في ديار العرب.الجزائريون يريدون الجهاد ضد الفراعنه،والمصريون يستعيدون حرب أكتوبر،مطالبين بالعبور واقتحام خط بارليف المرمى الجزائري.المصريون يقولون إنهم هم الذين جعلوا انتصار الثورة الجزائرية يتحقق.والجزائريون يسردون قائمة الخدمات الجليلة التي أسداها الرئيس الراحل"هواري بو مدين"الى مصر...وهلم جرّا من الحركات الساذجة.
الصحفي:
تقصدين أن نظرية المؤمرة لا محّل لها من إعراب الأعراب؟
الكرة:
عندما يجد الناس صعوبة في تجرّع مرارات الحقيقة والواقع،يذوّبون قرصها في ليتر ماء ليسهل الابتلاع،أو يدّعون أنه سامّ.لكن نظرية المؤامرة غير مستبعدة تماما.وأنا لا دخل لي في هذا،فالخلفيات والمقدّمات والنتائج التي ستترتب عليها،إنما هي أكبر بكثير من أن تدبّرها كرة مثلي.هي لعبة أخطر بما لايقاس.ما حدث يشبه كرة البولينغ التي جعلت شعبين يطيران شظايا!
الصحفي:
صان الله تكويرك،وحماك من المسامير والدبابيس والفش،فالآن بدأت تجودين بالزبدة بعد المخيض.إن هذه القصة الجزائرية المصرية تبدو غير مقنعة إطلاقا.فماذا وراء أكمة الكرة؟
الكرة:
أكمة العرب لا أكمتي أنا.الوضع العربي،كما ترى،مثل شبكة المرمى،كثير الثقوب،وسهل الاهتزاز.وهو دائما مفتوح لتسجيل الأهداف،رغم وجود الحارس.والغريب هو أن العرب يفعلون دائما عكس المطلوب.فالحماسة المفرطة التي يظهرونها في المباريات، لا ترى مثقال ذرّة منها في ميادين التنمية. وعندما تكون المباريات علمية أو اقتصادية أو تكنولوجية أو حربية، تجدهم متفرجين على المدارج، واجمين كأنهم مخدّرون. ولهذا هم دائما على الهامش. جماعات استهلاكية بلا إنتاج ولا إبداع. فإذا حان وقت مباراة لكرة القدم، صحا الحس الوطني, ودوّت في الآفاق هتافات: بالروح، بالدم، نفديك يا وطن. وبانتهاء اللعبة يعودون إلى الخمول. تعود العامة إلى البطالة والجهل والفقر والمرض، وتعود الخاصة إلى النهب والفساد وقمع الحريات.
الصحفي:
هذا ما أمام الأكمة، وأنا سألتك عمّا وراءها. أنا جائع إلى اللحمة الدسمة، إلى الهبرة.
الكرة:
سواء أقبلنا نظرية المؤامرة أم لم نقبل، فإن المأساة المهزلة أكبر من مجرّد شحن كروي. "الهوليجانز" الإنجليز هم أيضا فوضويون وعدوانيون، ولكن الأمر لا يتحول إلى كارثة بين بريطانيا وفرنسا أو ألمانيا أو روسيا.
ما سأقوله لك، يمكن أن يكون توصيفا لواقع، كما يصلح لوصفة وقائية. ولكن العرب لا يريدون إدراك الحقيقة، لسبب بسيط وهو اضطرارهم عندئذ إلى تغيير طريقة تفكيرهم وسلوكهم كليا. وهذا يقلب كل الموازين. ولا أعني أن حديثي مع قرش مثل جنابك مجرّد "فشة خلق"، أو لعب في الوقت الضائع.
الصحفي:
ما تُرى هذا الهجاء المسخرةْ؟
إن رأسي صار مثل الطنجرةْ
لستِ حتى لقمة أرضى بهــــا
أنـــــا لا آكــــل أخت القندرةْ
الكرة:
أرأيت كيف أن الحرب أوّلها كلام. فجأة فارت في دماغك دماء المشجعين. وعندما تكون المخلوقات هكذا، يسهل استدراجها إلى أهداف لم تكن تخطر على بالها. وعموما، البيتان جميلان. لأنك أقرب إلى الطنجرة مني. هل رأيت أحدا يطهو كرة قدم؟ لا علينا.
أنظر إلى إسرائيل كيف أصبحت سجينة صهيونيتها، مكبّلة بوحشيتها في لبنان وغزة. منبوذة من شعوب العالم. حتى أصدقاؤها ينفضّون من حولها. وتأمّل الخارطة العربية: في أقصى الجنوب فتنة على الحدود اليمنية السعودية. والعراق ممزق. وفلسطين على كف عفريت. ولبنان في وضع ينذر بالخطر. والسودان غير مستقر ولا آمن. وفي أقصى الشمال نذر تفجر الوضع في الصحراء الغربية من جديد. هل أدركت خطورة الفتنة المصرية الجزائرية على الأوضاع المتلاشية أصلا؟
الوضع العام مناسب جدّا وخصب جدّا لإسرائيل، إذا أرادت التحرك في أي اتجاه. ما يجري من شحن متبادل، يعمل تلقائيا على تمزيق الصف العربي، الممزق أصلا.
الصحفي:
أنت على حقّ في هذا، لكن، لماذا تخاف إسرائيل، ومن وراءها، العرب الآن أكثر من أي وقت مضى، حتى نضع نظرية المؤامرة في الحسبان، ولا ننظر إليها كفكرة ساذجة يجب على العاقل المحلل الرصين استبعادها تماما؟ هل تقصدين أن مفعول "كمب ديفد" قد انتهى،وأن الشعب المصري لم يعد يطيق فصله عن موقعه في أمته،
ولهذا تتجدد المكائد؟
الكرة:
الآن، أصبح العالم العربي لا يمثل الخطر الوحيد على إسرائيل. ثمة ما هو أخطر بكثير. أنظر إلى الخارطة: سوريا وتركيا وإيران، أضف فلسطين ولبنان. وتخيل امتدادات تركيا وإيران في بلدان آسيا الوسطى. ثم تأمّل مصر وحنينها مؤخرا إلى السودان، والحديث عن مشروع مدن تجارية أو صناعية أو مناطق حرة بينهما. وتخيّل لو زرعت أراضي السودان بتضافر جهود دول متعاضدة،و هدأت الأوضاع في باكستان ووثقت العرى مع إيران وتركيا والبقية. ألم يقل "بن جوريون" في مطلع العقد الخامس من القرن الماضي: "إن إسرائيل لن تعرف النوم الهادئ إذا امتلكت باكستان القنبلة النووية يوما ما؟" بعبارة أخرى: كانت إسرائيل ومن وراءها في رقصة طرب عند رؤية مشروع الوحدة العربية في "الباي باي". فوجئت بما هو أخطر، وبأشكال عملية لم تكن في مخيّلة أحد.
الصحفي:
ستقولين طبعا: إن الويلات المتحدة لم تعد الويلات المتحدة. والصين صارت التنين الذي ينهش أحلامها. وواشنطن لا تثق في روسيا، وتنظر بعين الريبة إلى تحوّلات أمريكا اللاتينية، وصعود الهند...وتوتة توتة، وما تخلص الحدوتة. ما علاقة كل هذا بحجر رماه مشجعون مصريون على حافلة تقل الفريق الجزائري، وقول السلطات المصرية: إن الزجاج كسر من الداخل، وإن الدم صلصة طماطم، وإذا بالقيامة تقوم بين الطرفين؟
الكرة:
العلاقة نسبية. والعرب ينظرون إلى الحدث بمعزل عن الزمان والمكان، والتفاعلات التي لا يرونها بالعين المجرّدة. فلا وجود عندهم لما لا يرونه، رغم ترديدهم أن الناس عرفوا الله بالعقل. فانتظر، إذ يبدو أن الليالي حبالى، لست تدري ما تلد.والعاقل لا يرى براءة الأطفال في ما استجد!
الصحفي:
ما الذي يجري بأرض العربِ
هذه الحال، فهل من مهربِ؟
أنا لا أكشف عمّا في دمــاغي
إنــــني لست قليـــــل الأدبِ
منقول