ملوك ولصوص وقديسون في زحف غير مقدس

صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد.. تاريخ الحكمة والتهور









بتصريحه عن حرب صليبية ستخوضها أمريكا عقب 11 سبتمبر وضع جورج بوش الابن ربما دون أن يدري العالم شرقه وغربه في مأزق بالغ الحدة.
لقد أعادت كلماته التاريخ إلي القرن الثاني عشر كأنه لم يفارقه قط ونكأت جراحا ظنها الجميع قد أندملت
.
فالحروب الصليبية ورغم مرور كل تلك القرون مازالت تلقي بظلالها القاتمة علي العلاقات بين المشرق العربي والغرب بل إنها أصبحت جزءا دفينا من نفسيات البشر في كلا الجانبين.. يتحسسه البعض سرا من وقت لآخر لكنهم يصابون بالذعر حين يتكيء أحدهم عليه من جديد ويخرجه من دائرة السر إلي العلن. وأغلب الظن أن سبب تلك الحساسية تجاه الحروب الصليبية هو عدم حدوث 'مصالحة تاريخية' بشأنها حتي أن البابا يوحنا بولس الثاني عندما أصدر بيانه المسمي 'الذكري والمصالحة' يوم الأحد السابق علي حجه إلي الديار المقدسة في ربيع سنة 2000 للاعتذار عن سائر خطايا الكنيسة الكاثوليكية باسم الدين طوال الألفي سنة الماضية لم يذكر الحروب الصليبية إلا لماما صحيح أنها خصت بالذكر من بين الأعمال الشنيعة التي ارتكبت بحق اليهود والمسلمين والجماعات الاثنية في عملية التطهر التاريخي تلك إلا أن البابا لم يفصل مقاصده من وراء هذا الاعتذار.. وتركه هكذا عاما لايتساوي مع حجم الجرائم التي ارتكبتها الحملات الصليبية المتعاقبة لذا كان من الطبيعي أن تظل تصورات العرب والغرب عن نفس الحدث متناقضة حتي الآن
.
فالغرب مازال ينظر لتلك الحروب دون أن ينزع عنها رداء الرومانسية الذي أضافه شعراء التروبادور عليها.. فهي عندهم مزيج من أوهام أزمنة الفروسية والشجاعة والبطولات الخارقة التي ضمت الأبطال واللصوص والقديسين جنبا إلي جنب.. إنها باختصار 'الحرب الأكثر قداسة' لاسترداد الديار المقدسة من أيدي 'الوثنيين' الكفرة.أما بالنسبة للعرب فهي أسوأ احتلال تعرضت له أراضيهم وأكبر إهانة لحقت بمقدساتهم، وهي أيضا بحور لاتنتهي من دماء المدنيين العرب والمسلمين خاض فيها جود فري دي بويون ورجاله ومن جاءوا بعده دون أدني رحمة.. وصبغوا بها أرض الشرق وأجواءه بلون الدم
.
الآن تعود الحروب الصليبية من جديد إلي بقعة الضوء بفضل جيمس رستون الابن في كتابه الذي يجمع بين التاريخ والحس الروائي المدهش 'مقاتلون في سبيل الله.. صلاح الدين الأيوبي، وريتشارد قلب الأسد والحملة الصليبية الثالثة
'.
فمن بين الحملات الصليبية التي امتدت علي مدي قرنين من الزمان اختار رستون أن يلقي بشباكه علي الحملة الثالثة '1187 1192' باعتبارها 'الأكثر غرابة وإثارة للاهتمام. فقد كانت أكبر تجمع عسكري عرفته العصور الوسطي المبكرة وهي التي أوصلت نيران الروح الصليبية إلي أقصي درجات التأجج، وقد يكون الجانب الأكثر أهمية في تلك الحروب، أنها دفعت إلي المسرح شخصيتين كانتا بين الأبرز والأروع خلال الألف الثاني للميلاد وهما: صلاح الدين، ملك مصر والشام والجزيرة العربية والعراق من جهة، وريتشارد الأول، ملك انجلترا، الملقٌîب قلب الأسد' هنا يبدو الرجلان كأنهما خارجان من الأسطورة وليسا شخصين من لحم ودم.صلاح الدين القائد الفذ الحكيم الذي أسر أعداءه بفروسيته وبتسامحه غير المفهوم غالبا وغير المبرر أحيانا من وجهة نظرهم.وريتشار الأول أو قلب الأسد أهم ملوك انجلترا منذ الملك أرثر بشخصيته المركبة التي تحوي في جنباتها بين المثلية الجنسية والفروسية بين الوحشية والشجاعة والتي قدمت قبل كل شيء النموذج الرومانتيكي للفروسية كما تعشقها أوروبا العصور الوسطي
.
عبر رؤية بانورامية شغوفة بأدق التفاصيل يجهز روستون المسرح لبطليه تمهيدا للقائهما الدراماتيكي المرتقب.. في البداية تتوازي أحداث حياة البطلين دون أن تتقاطع، ففي الوقت الذي حقق فيه صلاح الدين أعظم انتصاراته بفوزه الساحق في حطين عام 1187 وتخليصه لبيت المقدس من الاحتلال وإعادته للمسجد الأقصي إلي سابق عهده بعد أن كان الصليبيون قد حولوه إلي مقر إداري وإصطبل لخيول فرسان الهيكل! في هذا الوقت تقريبا كان ريتشارد أو دوق أكيتان منشغلا بصراعه مع والده هنري الثاني من أجل أن ينصبه وليا لعهد إنجلترا لكنه كان أيضا أول أمير صليبي يستجيب لنداء 'الفاتيكان' بضرورة 'إنقاذ المسيحية التي تتهددها مؤامرة أبناء اسماعيل' بعد استرداد صلاح الدين للقدس
.
وبعد قليل من وفاة هنري الثاني وتولي ريتشارد للعرش وجد الأخير نفسه علي رأس جيشه الصليبي جنبا إلي جنب مع الملك فيليب أغسطس متجها إلي الشرق. بعد أن 'فرض علي المواطنين الإنجليز بمن فيهم رجال الإكليروس ضريبة مباشرة عرفت باسم ضريبة صلاح الدين، وكانت عبارة عن رسم يجبي علي مدي ثلاث سنوات ويبلغ العشر من دخل الفرد'، أما المنضمون إلي الحملة الصليبية فكانوا يعفون من الضريبة
.
وبينما رفض صلاح الدين الإساءة لسكان القدس من الصليبين وعفي عنهم وحرص علي حماية كنيسة القيامة وغيرها من الأماكن المسيحية المقدسة ودعا اليهود إلي العودة للمدينة المقدسة وأعاد تأسيس الحي اليهودي من جديد في جنوب القدس فإن قلب الأسد سار عكس هذا النهج معظم الوقت فقد اشتهر بعدائه للسامية 'إلي حد أنه كان يتسلي أحيانا بنزع أسنان بعض اليهود وفي الشهور اللاحقة لتوليه العرش أشتد الحماس للحرب الصليبية والذهاب للقدس، وفي الوقت نفسه العداء لليهود من جانب اتباعه' لدرجة أن العوام تحركوا إلي الحي اليهودي بلندن وبدأوا بإحراق كل مساكن اليهود ولم تتدخل السلطات إلا عندما امتدت النيران إلي الممتلكات المسيحية، ورغم هذا لم يحرك الملك الجديد ساكنا واكتفي بمعاقبة من أوصلوا النار إلي مساكن المسيحيين
!!
في طريقه إلي الشرق قام ريتشارد بعدد من المناوشات والحروب الصغيرة اخضع خلالها صقلية وقبرص وحصد الكثير من الغنائم.. لكنه كاد يفقد صبره عندما وصلته أنباء عن نجاح فيليب أغسطس غريمه الحالي وحبيبه السابق في حصار عكا.. فأسرع اليها كي لايسرق منافسه المجد لنفسه! وبوصوله إلي الشرق تحول إلي شعلة نشاط وبينما كان يستعد لسحق عكا تساءل ريتشارد بينه وبين نفسه عن صلاح الدين وشخصيته التي بدت له غامضة تماما ومخالفة لكل ما اعتاده ريتشارد من سلوك الاعداء تجاه بعضهم البعض فبدلا من المقذوفات تلقي قلب الأسد هدايا من صلاح الدين جاءت كبادرة سلام الأمر الذي دفع قلب الأسد إلي طلب مقابلة صلاح الدين لكن الأخير أجابه بأن 'الملوك لايجتمعون إلا عن قاعدة. وما يحسن منهم الحرب بعد الاجتماع والمؤاكلة
'.
كان صلاح الدين يدرك بحنكته وعميق ثقافته أن الانتصار العسكري وحده لايضمن حل الصراعات لكن ريتشارد بتهوره واندفاعه لم يدرك ذلك إلا متأخرا وبعد تضييع الكثير من الوقت والجهد، لأنه لم يكن يمتلك حكمة خصمه وكان أغلب الوقت مندهشا من أفعاله مثلا هو لم يفهم ما فعله صلاح الدين في احدي المناوشات العسكرية بينهما .حيث سقط قلب الأسد فجأة عن صهوة جواده فما كان من صلاح الدين إلا أن أرسل له جوادين عربيين في الحال مع شقيقه الملك العادل لاستكمال معركته، 'لمكافأته علي كل الأعمال البطولية التي أنجزها وكل الانتصارات التي حققها
'!!
رغم فشل قلب الأسد في الاستيلاء علي القدس مرة أخري واضطراره إلي عقد الصلح مع صلاح الدين والعودة إلي بلاده انقاذا لعرشه إلا أنه ترك وراءه في العالم الإسلامي سمعة مدوية تتواءم تماما مع شهادة الملك الظاهر الابن الأصغر لصلاح الدين له بأن 'ما من أحد يستطيع الوقوف في وجه هذا الرجل الذي يدعونه الملك ريك أو التملص من قبضته. ملك كهذا ولد ليحكم العالم بأسره'. ولأن الأسطورة لابد لها أن تكتمل فقد جاءت نهاية كل منهما متوافقة تماما مع أسطورته الخاصة فعندما مات ملك الشرق في 4 مارس 1193 بعد مرض قصير تبين أنه 'لم يكن يملك شيئا لاعقارات ولابيوتا ولا أراضي ولاجنائن ولاذهبا أو فضة في خزانته ما خلا ستة وأربعين درهما نصيريا أي أقل من ليرة إنجليزية. وبالتالي أجبر مساعدوه علي استدانة بعض المال لشراء الضروريات واقترضوا ما مقداره نصف بنس لشراء التبن الذي يلت به الطين لتبطين قبره
'.
أما ريتشارد فقد حولته الروايات حول رحلة عودته إلي الوطن إلي بطل رومانتيكي شعبي فقد صور القصاصون رحلته علي أنها إلياذة أخري.. كأنه عوليس جديد في طريقه إلي وطنه وساعد علي هذا كثرة الفخاخ التي نصبت له بامتداد أوروبا من أمراء وملوك يرغبون في الثأر منه وأخيرا سجنه من قبل 'ليوبولد' دوق النمسا الذي سلمه للامبراطور هنري السادس ولم يفك الأخير أسره إلا مقابل فدية ضخمة جمعتها أمه الملكة اليانور' وبوصول قلب الأسد إلي انجلترا استعاد عرشه الذي حاول أخوه جون سلبه إياه وعاد من جديد إلي مناوشاته العسكرية مع فيليب أغسطس والبارونات المتمردين وتأكيدا لمقولة صلاح الدين عنه بأنه متهور يعرض نفسه دائما للاخطار ولايكترث بحياته حاصر ريتشارد قلعة صغيرة لاتستحق المخاطرة ورفض عرض الفرسان الموجودين بداخلها أن يسلموا أنفسهم واستمر بالتجول حول أسوارها بدون دروعه فأطلق أحد فرسانها نشابا عليه فأصاب ذاعه وغاص فيها عميقا مما أدي فيما بعد إلي فساد الذراع ومن ثم إلي موته عن رسم رستون لشخصيتي صلاح الدين وقلب الأسد ومقارنته بينهما بقدر كبير من الانصاف بقي أن نقول أن المشكلة الأساسية في هذا الكتاب اعتباره الصراع بين الصليبين والمسلمين صراعا دينيا بحتا حول مفاهيم لاهوتية 'كان صراعا بين مبدأ الإيمان بالإله الواحد القادر، الله في مواجهة الأب ذي الثلاثة الأقانيم، الثالوث المقدس بين تمثال الصليب والصخرة، وبين كنيسة القيامة والمسجد الأقصي
'!!
لكن واقع الحال يقول ان الحروب الصليبية لم تكن حروبا مقدسة تماما وفي جزء كبير منها لم تكن حربا دينية بل كانت حروبا استعمارية باسم الدين حاول خلالها العرب المسلمون تحرير أراضيهم ومقدساتهم وخاضها الكثير من الفرسان والأمراء الصليبيين بحثا عن وممالك بعيدة أو جريا وراء المجد والغنائم
!
يتساءل المؤلف أيضا 'ماذا عن اليهود؟' وما دورهم في الصراع؟ متناسيا أن اليهود لم يكونوا وقتها طرفا في أي صراع كما لم يكن لهم وجود قائم بذاته منفصل عن الدولة الإسلامية التي عاشوا في ظهرانيها!