عرق البلح (( قراءة نقدية)) صحراء قاحلة بها بعض النخلات المتبقية نواح لامرأة مشهد لشاب يدخل القرية التي لم يبق فيها سوى الجدة والشابة التي ضاعت كل أحلامها كان هذا بداية الفيلم الجميل المليء بكثير من الألغاز والاسقاطات والصور والمفاجآت فيلم عرق البلح لرضوان الكاشف ذلك الرجل الذي خطفه الموت من بيننا قبل أن يعطينا المزيد والمزيد من فنه الجميل والراقي لم يكن فيلم عرق البلح فيلما عاديا بل كان فيلما ذات مضمون وعديد من الرسائل وكان أجمل ما يميز الفيلم , هذه الرموز التي لا يفهمها الكثير فهو فيلم يجعلك تفكر الكثير وتمعن التفكير ويبدأ الفيلم بهؤلاء الغرباء ذوي الأقنعة الكثيرة وكان مدلول رضوان الكاشف هنا هو وضع المتفرج في خياراته هو , فلك أن تتخيل هؤلاء الغرباء أي شيء ....... الحكومة ....... أمريكا ........ الملك ........ السلطان ........ القهر والسلطة بكل اشكالها فكانت أول الرموز التي ألقى بها في وجوهنا هذا المخرج الجميل ثم يفرد المشهد في رغبة هؤلاء الغرباء بأخذ كل رجال القرية جبرا للعمل وكانت هذه هي ثاني أجراس الخطر الذي دقها الفيلم فهي كناية عن ألف قيمة وقيمة وأولها هو رغبة هؤلاء أيا كانوا في أخذ الرجال من القرية أي سلب هذه القرية رجولتها وسلبها دعامتها وفي نقس الوقت تحويل الأيدي العاملة هذه إلى ثيران تجر في ساقية ولكي تظل هذه البلدة وحيدة بدون أي دعامات فيسهل اختراقها وتدميرها وهذا ما سنوضحه بعد ذلك وهو بؤكد مرة ثانية أن للمتلقي حرية التخيل وهذا ما يميز رضوان الكاشف أنه لا يلقي لك بالحقيقة بل يلقي لك بالرمز فتقلبه أنت على جميع جوانبه كما يحلو لك وبعد هذا يوضح لنا مشهد رفض أحمد الشاب الوحيد الموجود بالقرية وكانت شخصية أحمد أكثر الشخصيات ثباتا في شأن رمزيتها في الفيلم فأحمد كان يمثل الشباب والأمل والبراءة وكل شيء طيب وجميل فبهذا المشهد يؤكد لنا رضوان الكاشف أن شبابنا ليس شبابا تافها وأنه له اختياراته وله آراءه ولكن ماذا بعد ذلك يذهب كل الرجال وكأنهم بهائم في العربات ويعود بنا الفيلم إلى القرية وداخلها وطقوسها ..... ثم يظهر لنا الفيلم شخصية الجد الغير قادر على الكلام ولكنه يفهم ويعي ويشعر بما يحدث حوله ، وهوأيضا أحد الرموز الثابتة في الفيلم فهو يرمز إلى التاريخ الصامت العاجز عن الكلام فهو يفهم جيدا كيف تجري الأمور وكيف تسير وكيف ستكون ولكنه مشلول غلت يده عن أي شيء فما عاد ينفع في شيء ويظهر كيف هي رغبة الشاب أحمد أن يتحدث التاريخ هذا أو الجد فيحتمي به ويرتمي في أحضانه ثم نأتي إلى شخصية شيريهان الجميلة في الفيلم الفتاة التي تشارك أحمد الأمل وتحبه دون أن تدري ..... وننتقل إلى مشاهد الولادة والمشاهد التي أوضحت كيف أن القرى المجاورة لم تعد تحترم هذه القرية لعدم وجود رجال بها ولم يحترموا احمد الشاب ....... وأن أمعننا النظر قليلا سنجد كيف أن هذه المشاهد تشير إلى عدم أحترامنا لوجود الشباب في حياتنا وتجاهلهم وتجاهل آراءهم وسنجد أيضا أشارة بنظرة المجتمع الذكورية التي لاتحترم إلا الأشياء الموسمة بالرجل ولا اعتبار لقوة المرأة وحقوقها ثم نأتي إلى مشهد الاحتفال بالسبوع وما بعده وكيفية التربص بهذه القرية والطبال الذي لاحظ احتياج أحد زوجات القرية إلى رجل بعد سلبها زوجها في العمل مع أولئك الغرباء وكانت الخيانة هنا دليلا على رخاوة هذه البلد وكيف أن الغرباء نجحوا في أن يدمروا ما بالقرية من مباديء وكيف أننا لا ننظر خلفنا ونحن تاركين أشياء كثيرة أغلى بكثير من المال وجمعه ثم نأتي لأشد المشاهد رمزا وهو مشهد موت الجد فنجد أنه لم يصور موت حقيقي بل موت رمزي حيث أن الجد ــ وهو الذي يرمز للتاريخ ــ أختار أن يموت ويرحل فما عاد هناك نفع من وجوده حيث شلته الأوضاع المتردية فركب حصانه وذهب وهو رمزا لموته الاختياري وحينما يرجع الرجال إلى البلد يجدون كيف دمروا كل المعاني الحلوة في حياتهم بارتمائهم في أحضان هؤلاء الغرباء فلم يعودوا كما كانوا في السابق عادوا جميعا مسكوري النفس ظمأى لكل شيء جميل ولكنهم عادوا بعد فوات الأوان فلقد فتر كل شيء واصبحت الامور كلها هشة فالزوجات لم يعدن إلى طبيعتهم دمرتهم الغربة والوحشة ولم يقف الامر عند هذا الحد بل يظهر مدى مصيبتنا ومدى فداحة ما يجول بعقولنا فيجعلهم جميعا يعلقون كل الأخطاء على الشاب أحمد وهو أملهم الوحيد جعلوه هو كبش فداء لأخطائهم فمنهم من ظن انه قد عاشر زوجته التي انتحرت والآخر ظن نفس الظن لرفض زوجته معاشرته والاب الذي حكم عليه بالاعدام لكونه قد زني بابنته فيقرروا قتله وبهذا يظنون أنهم قد عالجوا ضميرهم الذي يكاد يقتلهم فيختارون قتل شبابهم بيدهم لا بيد آخرين وغير مبالين بالنتائج وهنا نجد أشد المشاهد ابداعا واسقاطا ......... فنجد ان رجال القرية يقررون قتله فيضحكون عليه أنه أن صعد النخلة العالية والتي تطرح بلح البيبا (وهي نجلة عالية جدا ) ليلا فسيكون هذا هو مهر حبيبته فيصعد الشاب أحمد بكل جرأة وبكل قوة حتى يثبت لهم أنه قوي وأنه قادر على هذا وفي هذه اللحظة يقررون قطع النخلة حتى يسقط من عليها فيلقى مصرعه في الحال وهنا مشهدين متداخلين لفكرتين أراد طرحهما رضوان الكاشف ففي حين قتلهم للأمل الوحيد المتبقي بأيديهم تسقط النخلة العالية والتي كانت تحميهم من شدة حرارة الشمس فيضرب عصفورين بحجر واحد منها يظهر مدى فداحة فعلهم وقتلهم للأمل بأيديهم وأنهم أيضا بأيديهم قد أسقطوا النخلة التي كانت تحميهم من أشعة الشمس فيظهر في جملة سينمائية بديعة الجملة المكتوبة في أصل الرواية الأصلية المأخوذ منها الفيلم وهي عن القرية التي سقطت نخلاتهم العوالي فكشفت لهم الشمس فأظهرت كل ما هو درن وسقيم وينتهي الفيلم بهذا المشهد الجميل وهو ذهاب الشاب أحمد مع جده التاريخ فقد أصبح هو أيضا تاريخ وبهذا نجد الفيلم الذي يطرح العديد من القضايا المعاصرة والتي ستظل مجال حوار بين العرب منها : ــ أن أي بلد بدون تاريخ وأمل وشباب لا تعني شيئا وتباد بسهولة ــ تركنا لتراثنا الخاص بنا يكشفنا على الشمس وهو الاجتياح الغربي الذي يظهر مدى رخاوة بلادنا وندائي لكل من يقرأ الدراسة أن يقول لي رأيه وبعد أن يقرأها يعاود مشاهدة الفيلم واسنباط الصور الجميلة به ومعرفة كيف أن هذا الفيلم ... فيلم رائع حقا
__________________ أحسن الناس .......... أنفعهم للناس |