الاستبداد والتخلص منه أعزائي الأعضاء ما زلنا مع الكتاب الرائع " طبائع الاستبداد " للمفكر الشيخ عبدالرحمن الكواكبي . . . و الآن بإمكانكم جميعا أن تستمتعوا بهذا الفصل ، ( الاستبداد و الترقي ) الاستبداد والتخلص منه ليس لنا مدرسة أعظم من التاريخ الطبيعي، ولا برهان أقوى من الاستقراء، ومن تتبعهما يرى أن الإنسان عاش دهراً طويلاً في حالة طبيعية تسمى "دور الافتراس"، فكان يتجول حول المياه أسرابا، تجمعه حاجة الحضانة صغيرا، وقصد الاستئناس كبيرا، ويعتمد في رزقه على النبات الطبيعي وافتراس ضعاف الحيوان في البر والبحر، وتسوسه الإرادة فقط، ويقوده مَن بنيته أقوى إلى حيث يكثر الرزق. ثم ترقى الكثير من الإنسان إلى الحالة البدوية التي تسمى "دور الاقتناء": فكان عشائر وقبائل، يعتمد في رزقه على ادخار الفرائس إلى حين الحاجة. فصارت تجمعه حاجة التحفظ على المال والأنعام، وحماية المستودعات والمراعي والمياه من المزاحمين؛ ثم انتقل، ولا يقال ترقى، قسم كبير من الإنسان إلى المعيشة الحضرية، فسكن القرى يستنبت الأرض الخصبة في معاشه، فأخصب ولكن في الشقاء، ولعله استحق ذلك بفعله، لأنه تعدى قانون الخالق، فإنه خلقه حرا جوالا يسير في الأرض ينظر آلاء الله فسكن، وسكن إلى الجهل وإلى الذل؛ وخلق الله الأرض مباحة، فاستأثر بها. فسلط الله عليه من يغصبها منه ويأسره، وهذا القسم يعيش بلا جامعة، تحكمه أهواء أهل المدن، وقانونه: أن يكون ظالما أو مظلوما. ثم ترقى قسم من الإنسان إلى التصرف إما في المادة وهم الصناع، وإما في النظريات وهم أهل المعارف والعلوم. وهؤلاء المتصرفون هم سكان المدن الذين هم وإن سجنوا أجسامهم بين الجدران، لكنهم أطلقوا عقولهم في الأكوان، وهم قد توسعوا في الرزق كما توسعوا في الحاجات، ولكن أكثرهم لم يهتدوا حتى الآن للطريق المثلى في سياسة الجمعيات الكبيرة. وهذا هو سبب تنوع أشكال الحكومات وعدم استقرار أمة على شكل مرضي عام، إنما كل أمة في تقلبات سياسية على سبيل التجريب، وبحسب تغلب أحزاب الاجتهاد أو رجال الاستبداد. وتقرير شكل الحكومة هو أقدم وأعظم مشكلة في البشر، وهو المعترك الأكبر لأفكار الباحثين، والميدان الذي قل في البشر من لا يجول فيه على فيل من الفكر، أو على جمل من الجهل، أو على فرس من الفراسة، أو على حمار من الحمق، حتى جاء الزمن الأخير فجال فيه إنسان الغرب جولة المغوار، الممتطي في التدقيق مراكب البخار. فقرر بعض قواعد أساسية في هذا الباب تضافر عليها العقل والتجريب، وحصحص فيها الحق اليقين، فصارت تعد من المقررات الإجماعية عند الأمم المترقية؛ ولا يعارض ذلك كون هذه الأمم لم تزل أيضا منقسمة إلى أحزاب سياسية يختلفون شيعا، لأن اختلافهم هو في وجوه تطبيق تلك القواعد وفروعها على أحوالهم الخصوصية. وهذه القواعد التي قد صارت قضايا بديهية في الغرب، لم تزل مجهولة أو غريبة ، أو منفورا منها في الشرق، لأنها عند الأكثرين منهم لم تطرق سمعهم، وعند البعض لم تنل التفاتهم وتدقيقهم، وعند آخر لم تحز قبولا، لأنهم ذوو غرض، أو قلوبهم مسروقة (كذا)، أو في قلوبهم مرض. وإني أطرح لتدقيق المطالعين رؤوس مسائل بعض المباحث التي يتعلق بها الحياة السياسية. وقبل ذلك أذكرهم بأنه قد سبق في تعريف الاستبداد بأنه: "وهو الحكومة التي لا يوجد بينها وبين الأمة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون نافذ الحكم". كما استلفت نظرهم إلى أنه لا يوثق بوعد من يتولى السلطة أيا كان، ولا بعهده ويمينه على مراعاة الدين، والتقوى، والحق ، والشرف، والعدالة، ومقتضيات المصلحة العامة، وأمثال ذلك من القضايا الكلية المبهمة التي تدور على لسان كل بر وفاجر. وما هي في الحقيقة إلا كلام مبهم فارغ، لأن المجرم لا يعدم تأويلا، ولأن من طبيعة القوة الاعتساف، ولأن القوة لا تقابل إلا بالقوة. ثم فلنرجع إلى المباحث التي أريد طرحها لتدقيق المطالعين وهي: 1- مبحث ما هي الأمة أي الشعب: هل هي ركام مخلوقات نامية، أو جمعية عبيد لمالك متغلب وظيفتها الطاعة والانقياد ولو كرها، أم هي جمع بينهم روابط دين أو جنس أو لغة ووطن، وحقوق مشتركة، وجامعة سياسية اختيارية، لكل فرد حق إشهار رأيه فيها توفيقا للقاعدة الإسلامية التي هي أسمى وأبلغ قاعدة سياسية وهي: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"؟ 2- مبحث ما هي الحكومة: هل هي سلطة امتلاك فرد لجمع، يتصرف في رقابهم، ويتمتع بأعمالهم ويفعل فيهم بإرادته ما يشاء، أم هي وكالة تقام بإرادة الأمة لأجل إدارة شؤونها المشتركة العامة؟ 3- مبحث ما هي الحقوق العمومية: هل هي حقوق آحاد الملوك، ولكنها تضاف للأمم مجازا، أم بالعكس هي حقوق جميع الأمم، وتضاف للملوك مجازا. ولهم عليها ولاية الأمانة والنظارة على مثل الأراضي والمعادن، والأنهار والسواحل، والقلاع والمعابد، والأساطيل والمعدات، وولاية الحدود، والحراسة على مثل الأمن العام، والعدل والنظام، وحفظ وصيانة الدين والآداب، والقوانين والمعاهدات، والاتجار، إلى غير ذلك مما يحق لكل فرد من الأمة أن يتمتع به ويطمئن عليه؟ 4- مبحث التساوي في الحقوق: هل للحكومة التصرف في الحقوق العامة المادية والأدبية كما تشاء بذلا وحرمانا، أم تكون الحقوق محفوظة للجميع على التساوي والشيوع، وتكون المغانم والمغارم العمومية موزعة على الفصائل والبلدان والصنوف والأديان بنسبة عادلة، ويكون الأفراد متساوون في حق الاستنصاف؟ 5- مبحث الحقوق الشخصية: هل الحكومة تملك السيطرة على الأعمال والأفكار، أم أفراد الأمة أحرارا في الفكر مطلقا، وفي الفعل ما لم يخالف القانون الاجتماعي، لأنهم أدرى بمنافعهم الشخصية، والحكومة لا تتداخل إلا في الشئون العمومية؟ 6- مبحث نوعية الحكومة: هل الأصلح هي الملكية المطلقة من كل زمام، أم الملكية المقيدة، وما هي القيود؟ أم الرئاسة الانتخابية الدائمة مع الحياة أو المؤقتة إلى أجل؟ وهل تنال الحاكمية بالوراثة، أو العهد، أو الغلبة؟ وهل يكون ذلك كما تشاء الصدفة، أم مع وجود شرائط الكفاءة، وما هي تلك الشرائط، وكيف يصير تحقيق وجودها، وكيف يراقب استمرارها، وكيف تستمر المراقبة عليها؟ 7- مبحث ما هي وظائف الحكومة: هل هي إدارة شؤون الأمة حسب الرأي والاجتهاد، أم تكون مقيدة بقانون موافق لرغائب الأمة وإن خالف الأصلح؟ وإذا اختلفت الحكومة مع الأمة في اعتبار الصالح والمضر فهل على الحكومة أن تعتزل الوظيفة؟ 8- مبحث حقوق الحاكمية: هل للحكومة أن تخصص بنفسها لنفسها ما تشاء من مراتب العظمة، ورواتب المال، وتحابي من تريد بما تشاء من حقوق الأمة وأموالها؟ أم يكون التصرف في ذلك كله إعطاء وتحديدا ومنعا منوطا بالأمة؟ 9- مبحث طاعة الأمة للحكومة: هل الإرادة للأمة وعلى الحكومة العمل، أم الإرادة للحكومة وعلى الأمة الطاعة؟ وهل للحكومة تكليف الأمة طاعة عمياء بلا فهم ولا اقتناع، أم عليها الاعتناء بوسائل التفهيم والإذعان لتتأتى الطاعة بإخلاص وأمانة؟ 10- مبحث توزيع التكليفات: هل يكون وضع الضرائب مفوضا لرأي الحكومة، أم الأمة تقرر النفقات اللازمة وتعين موارد المال، وترتب طرق جبايته وحفظه؟ 11- مبحث إعداد المنعة: هل يكون إعداد القوة بالتجنيد والتسليح استعداداً للدفاع مفوضا لإرادة الحكومة إهمالا، أو إقلالا، أو إكثارا، أو استعمالا على قهر الأمة، أم يلزم أن يكون ذلك برأي الأمة وتحت أمرها، بحيث تكون القوة منفذة رغبة الأمة لا رغبة الحكومة؟ 12- مبحث المراقبة على الحكومة: هل تكون الحكومة لا تسأل عما تفعل، أم يكون للأمة حق السيطرة عليها لأن الشأن شأنها، فلها أن تنيب عنها وكلاء لهم حق الإطلاع على كل شيء وتوجيه المسؤولية على أي كان، ويكون أهم وظائف النواب حفظ الحقوق الأساسية المقررة للأمة على الحكومة؟ 13- مبحث حفظ الأمن العام: هل يكون الشخص مكلفا بحراسة نفسه ومتعلقاته، أم تكون الحكومة مكلفة بحراسته مقيما ومسافرا حتى من بعض طوارئ الطبيعة بالحيلولة لا بالمجازاة بالتعويض؟ 14- مبحث حفظ السلطة في القانون: هل يكون للحكومة إيقاع عمل إكراهي على الأفراد برأيها أي بدون الوسائط القانونية، أم تكون السلطة منحصرة في القانون، إلا في ظروف مخصوصة ومؤقتة؟ 15- مبحث تأمين العدالة القضائية هل يكون العدل ما تراه الحكومة، أم ما يراه القضاة المصون وجدانهم من كل مؤثر غير الشرع والحق، ومن كل ضغط حتى ضغط الرأي العام؟ 16- مبحث حفظ الدين والآداب: هل يكون للحكومة القضائية سلطة وسيطرة على العقائد والضمائر، أم تقتصر وظيفتها في حفظ الجامعات الكبرى كالدين، والجنسية، واللغة، والعادات، والآداب العمومية، على استعمال الحكمة ما أغنت عن الزواجر، ولا تتداخل الحكومة في أمر الدين ما لم تنتهك حرمته؟ وهل السياسة الإسلامية سياسة دينية، أم كان ذلك في مبدأ ظهور الإسلام، كالإدارة العرفية عقب الفتح؟ 17- مبحث تعيين الأعمال بقوانين: هل يكون في الحكومة، من الحاكم إلى البوليس، من يطلق له عنان التصرف برأيه وخبرته، أم يلزم تعيين الوظائف، كلياتها وجزئياتها، بقوانين صريحة واضحة، لا تجوز مخالفاتها ولو لمصلحة مهمة، إلا في حالات الخطر الكبير؟ 18- مبحث كيف توضع القوانين: هل يكون وضعها منوطا برأي الحاكم الأكبر، أو رأي جماعة ينتخبهم لذلك، أم يضع القوانين جمع منتخب من قبل الكافة ليكونوا عارفين حتما بحاجات قومهم وما يلائم طبائعهم ومواقعهم وصوالحهم، ويكون حكمه عاما أو مختلفا على حسب تخالف العناصر والطبائع وتغير الموجبات والأزمان؟ 19- مبحث ما هو القانون وقوته: هل القانون هو أحكام يحتج بها القوي على الضعيف، أم هو أحكام منتزعة من روابط الناس بعضهم ببعض، وملاحظ فيها طبائع أكثرية الأفراد، ومن نصوص خالية من الإبهام والتعقيد وحكمها شامل كل الطبقات، ولها سلطان نافذ قاهر مصون من مؤثرات الأغراض، والشفاعة، والشفقة، وبذلك يكون القانون هو القانون الطبيعي للأمة فيكون محترما عند الكافة، مضمون الحماية من قبل كل أفراد الأمة؟ 20- مبحث توزيع الأعمال والوظائف: هل يكون الحظ في ذلك مخصوصا بأقارب الحاكم وعشيرته ومقربيه، أم توزع كتوزيع الحقوق العامة على كافة القبائل والفصائل، ولو مناوبة مع ملاحظات الأهمية والعدد، بحيث يكون رجال الحكومة أنموذجا من الأمة، أو هم الأمة مصغرة، وعلى الحكومة إيجاد الكفاءة والإعداد ولو بالتعليم الإجباري؟ 21- مبحث التفريق بين السلطات السياسية والدينية والتعليم: هل يجمع بين سلطتين أو ثلاث في شخص واحد، أم تخصص كل وظيفة من السياسة والدين والتعليم بمن يقوم بها بإتقان، ولا إتقان إلا بالاختصاص، وفي الاختصاص، كما جاء في الحكمة القرآنية: "ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه"، ولذلك لا يجوز الجمع منعا لاستفحال السلطة؟ 22- مبحث الترقي في العلوم والمعارف: هل يترك للحكومة صلاحية الضغط على العقول كي لا يقوى نفوذ الأمة عليها، أم تحمل على توسيع المعارف بجعل التعليم الابتدائي عموميا بالتشويق أو الإجبار، وبجعل الكمالي منه سهلا للمتناول، وجعل التعليم والتعلم حراً مطلقاً؟ 23- مبحث التوسيع في الزراعة والصنائع والتجارة: هل يترك ذلك للنشاط المفقود في الأمة، أم تلزم الحكومة بالاجتهاد في تسهيل مضاهاة الأمم السائرة، لاسيما المزاحمة والمجاورة، كيلا تهلك الأمة بالحاجة لغيرها أو تضعف بالفقر؟ 24- مبحث السعي في العمران: هل يترك ذلك لإهمال الحكومة المميت لعزة نفس السكان، أو لانهماكها فيه إسرافا وتبذيرا، أم تحمل على الاعتدال المتناسب مع الثروة العمومية؟ 25- مبحث السعي في رفع الاستبداد: هل ينتظر ذلك من الحكومة ذاتها، أم نوال الحرية ورفع الاستبداد رفعاً لا يترك مجالا لعودته من وظيفة عقلاء الأمة وسراتها!؟. هذه خمسة وعشرون مبحثاً، كل منها يحتاج إلى تدقيق عميق، وتفصيل طويل، وتطبيق على الأحوال والمقتضيات الخصوصية. وقد ذكرت هذه المباحث تذكرة للكتاب ذوي الألباب وتنشيطا للنجباء على الخوض فيها بترتيب، إتباعا لحكمة إتيان البيوت من أبوابها. وإني أقتصر على بعض الكلام فيما يتعلق بالمبحث الأخير منها فقط، أعني مبحث السعي في رفع الاستبداد فأقول: 1-الأمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية. 2-الاستبداد لا يقاوم بالشدة إنما يقاوم باللين والتدرج. 3-يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ما يستبدل به الاستبداد. هذه قواعد رفع الاستبداد وهي قواعد تبعد آمال الأسراء، وتسر المستبدين، لأن ظاهرها يؤمنهم على استبدادهم. ولهذا أنكر المستبدين ما أنذرهم به الفياري المشهور حيث قال: "لا يفرحن المستبد بعظيم قوته ومزيد احتياطه فكم من جبار عنيد جند له مظلوم صغير". وإني أقول: كم من جبار قهار أخذه الله أخذ عزيز منتقم. مبنى قاعدة كون الأمة التي لا يشعر أكثرها بالاستبداد لا تستحق الحرية هو: أن الأمة إذا ضربت عليها الذلة والمسكنة وتوالت على ذلك القرون والبطون، تصير تلك الأمة سافلة الطباع حسبما سبق تفصيله في الأبحاث السالفة، حتى أنها تصير كالبهائم، أو دون البهائم، لا تسأل عن الحرية، ولا تلتمس العدالة، ولا تعرف للاستقلال قيمة، أو للنظام مزية، ولا ترى لها في الحياة وظيفة غير التابعية للغالب عليها، أحسن أو أساء على حد سواء؛ وقد تنقم على المستبد نادرا ولكن طلبا للانتقام من شخصه لا طلبا للخلاص من الاستبداد، فلا تستفيد شيئا إنما تستبدل مرض بمرض كمغص بصداع. وقد تقاوم الاستبداد بسوق مستبد آخر تتوسم فيه أنه أقوى شوكة من المستبد الأول، فإذا نجحت لا يغسل هذا السائق يديه إلا بماء الاستبداد فلا تستفيد أيضا شيئا، إنما تستبدل مرضا مزمنا بمرض حاد، وربما تنال الحرية عفوا فكذلك لا تستفيد منها شيئا لأنها لا تعرف طعمها فلا تهتم بحفظها، فلا تلبث الحرية أن تنقلب إلى فوضى، وهي إلى استبداد مشوش أشد وطأة كالمريض إذا انتكس. ولهذا قرر الحكماء أن الحرية التي تنفع الأمة هي التي تحصل عليها بعد الاستعداد لقبولها، وأما التي تحصل على إثر ثورة حمقاء فقلما تفيد شيئاً، لأن الثورة غالبا تكتفي بقطع شجرة الاستبداد ولا تقتلع جذورها، فلا تلبث أن تنبت وتنمو وتعود أقوى مما كانت أولا. فإذا وجد في الأمة الميتة من تدفعه شهامته للأخذ بيدها والنهوض بها فعليه أولا: أن يبث فيها الحياة وهو العلم، أي علمها بأن حالتها سيئة وأن بالإمكان تبديلها بخير منها، فإذا هي علمت يبدأ فيها الشعور بآلام الاستبداد، ثم يترقى هذا الشعور بطبعه من الآحاد إلى العشرات، إلى.. إلى....، حتى يشمل أكثر الأمة وينتهي بالتحمس ويبلغ بلسان حالها إلى منزلة قول الحكيم المعري: إذا لم تقم بالعدل فينا حكومة فنحن على تغييرها قدراء وهكذا ينقذف فكر الأمة في واد ظاهر الحكمة يسير كالسيل، لا يرجع حتى يبلغ منتهاه. ثم أن الأمم الميتة لا يندر فيها ذوي الشهامة، إنما الأسف أن يندر فيها من يهتدي في أول نشأته إلى الطريق الذي به يحصل على المكانة التي تمكنه في مستقبله من نفوذ رأيه في قومه، وإني أنبه فكر الناشئة العزيزة أن من يرى منهم في نفسه استعدادا للمجد الحقيقي فليحرص على الوصايا الآتية البيان: 1-أن يجهد في ترقية معارفه مطلقا لاسيما في العلوم النافعة الاجتماعية كالحقوق والسياسة والاقتصاد والفلسفة العقلية، وتاريخ قومه الجغرافي والطبيعي والسياسي، والإدارة الداخلية، والإدارة الحربية. فيكتسب من أصول وفروع هذه الفنون ما يمكنه إحرازه بالتلقي وإن تعذر فبالمطالعة مع التدقيق. 2-أن يتقن أحد العلوم التي تكسبه في قومه موقعا محترما وعلميا مخصوصا كعلم الدين والحقوق أو الإنشاء أو الطب. 3-أن يحافظ على آداب وعادات قومه غاية المحافظة ولو أن فيها بعض أشياء سخيفة. 4-أن يقلل اختلاطه مع الناس حتى مع رفقائه في المدرسة وذلك حفظا للوقار وتحفظا من الارتباط القوي مع أحد كيلا يسقط تبعا لسقوط صاحب له. 5- أن يتجنب كليا مصاحبة الممقوت عند الناس لاسيما الحكام ولو كان ذلك المقت بغير حق. 6-أن يجهد ما أمكنه في كتم مزيته العلمية على الذين هم دونه في ذلك العلم لأجل أن يأمن غوائل حسدهم، إنما عليه أن يظهر مزيته لبعض من هم فوقه بدرجات كثيرة. 7-أن يتخير له بعض من ينتمي إليه من الطبقة العليا، بشرط: أن لا يكثر التردد عليه، ولا يشاركه في شؤونه، ولا يظهر له الحاجة، ويتكتم في نسبته إليه. 8-أن يحرص على الإقلال من بيان آرائه وألا يؤخذ عليه تبعة رأي أو خبر يرويه. 9-أن يحرص على أن يعرف بحسن الأخلاق لاسيما الصدق والأمانة والثبات على المبادئ. 10-أن يظهر الشفقة على الضعفاء والغيرة على الدين والعلاقة بالوطن. 11-أن يتباعد ما أمكنه من مقاربة المستبد وأعوانه إلا بمقدار ما يأمن فظائع شرهم إذا كان معرضا لذلك. فمن يبلغ سن الثلاثين فما فوق حائزا على الصفات المذكورة، يكون قد أعد نفسه على أكمل وجه لإحراز ثقة قومه عندما يريد في برهة قليلة، وبهذه الثقة يفعل ما لا تقوى عليه الجيوش والكنوز. وما ينقصه من هذه الصفات ينقص من مكانته، ولكن قد يستغني بمزيد كمال بعضها عن فقدان بعضها الآخر أو نقصه. كما أن الصفات الأخلاقية قد تكفي في بعض الظروف عن الصفات العلمية كلها ولا عكس. وإذا كان المتصدي للإرشاد السياسي فاقد الثقة فقدانا أصليا أو طارئا، يمكنه أن يستعمل غيره ممن تنقصه الجسارة والهمة والصفات العلمية. والخلاصة أن الراغب في نهضة قومه، عليه أن يهيئ نفسه ويزن استعداده ثم يعزم متوكلا على الله في خلق النجاح. ومبنى قاعدة أن الاستبداد لا يقاوم بالشدة وإنما يقاوم بالحكمة والتدريج هو: أن الوسيلة الوحيدة الفعالة لقطع دابر الاستبداد هي ترقي الأمة في الإدراك والإحساس، وهذا لا يتأتى إلا بالتعليم والتحميس. ثم أن اقتناع الفكر العام وإذعانه إلى غير مألوفة لا يتأتى إلا في زمن طويل، لأن العوام مهما ترقوا في الإدراك لا يسمحون باستبدال القشعريرة بالعافية إلا بعد التروي المديد، وربما كانوا معذورين في عدم الوثوق والمسارعة لأنهم ألفوا أن لا يتوقعوا من الرؤساء والدعاة إلا الغش والخداع غالبا. ولهذا كثيرا ما يحب الأسراء المستبد الأعظم إذا كان يقهر معهم بالسوية الرؤساء والأشراف، وكثيرا ما ينتقم الأسراء من الأعوان فقط ولا يمسون المستبد بسوء، لأنهم يرون ظالمهم مباشرة هم الأعوان دون المستبد، وكم أحرقوا من عاصمة لأجل محض التشفي بإضرار أولئك الأعوان. ثم أن الاستبداد محفوف بأنواع القوات التي فيها قوة الإرهاب بالعظمة وقوة الجند، لاسيما إذا كان الجند غريب الجنس، وقوة المال، وقوة الألفة على القسوة، وقوة رجال الدين، وقوة أهل الثروات وقوة الأنصار من الأجانب؛ فهذه القوات تجعل الاستبداد كالسيف لا يواجه بعصا الفكر العام الذي هو في أول نشأته يكون أشبه بغوغاء. ومن طبع الفكر العام إنه إذا فار في سنة يغور في سنة، وإذا فار في يوم يغور في يوم، بناء عليه يلزم لمقاومة تلك القوات الهائلة مقابلتها بما يفعله الثبات والعناد المصحوبين بالحزم والإقدام. الاستبداد لا ينبغي أن يقاوم بالعنف، كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصدا؛ نعم، الاستبداد قد يبلغ من الشدة درجة تنفجر عندها الفتنة انفجارا طبيعيا، فإذا كان في الأمة عقلاء يتباعدون عنها ابتداء، حتى إذا سكنت ثورتها نوعا وقضت وظيفتها في حصد المنافقين، حينئذ يستعملون الحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة، وخير ما تؤسس يكون بإقامة حكومة لا عهد لرجالها بالاستبداد ولا علاقة لهم بالفتنة. العوام لا يثور غضبهم على المستبد غالبا إلا عقب أحوال مخصوصة مهيجة فورية، منها: 1-عقب مشهد دموي مؤلم يوقعه المستبد بمظلوم يريد الانتقام لناموسه. 2-عقب حرب يخرج منها المستبد مغلوبا، ولا يتمكن من إلصاق عار الغلب بخيانة القواد. 3-عقب تظاهر المستبد بإهانة الدين إهانة مصحوبة باستهزاء يستلزم حدة العوام. 4-عقب تضييق شديد عام مقاضاة لمال كثير لا يتيسر إعطاؤه حتى على أواسط الناس. 5-في حالة مجاعة أو مصيبة عامة لا يرى الناس فيها مواساة ظاهرة من المستبد. 6-عقب عمل للمستبد يستفز الغضب الفوري، كتعرضه لناموس العرض. 7- عقب حادث تضييق يوجب تظاهر قسم كبير من النساء في الاستجارة والاستنصار. 8- عقب ظهور موالاة شديدة من المستبد لمن تعتبره الأمة عدوا لشرفها. إلى غير ذلك من الأمور المماثلة لهذه الأحوال التي عندها يموج الناس في الشوارع والساحات، وتملئ أصواتهم الفضاء، وترتفع فتبلغ عنان السماء، ينادون: الحق الحق، الانتصار للحق، الموت أو بلوغ الحق. المستبد مهما كان غبيا لا تخفى عليه تلك المزالق، ومهما كان عتيا لا يغفل عن اتقائها، كما أن هذه الأمور يعرفها أعوانه ووزراؤه. فإذا وجد منهم بعض يريدون له التهلكة يهورونه على الوقوع في أحداها، ويلصقونها به خلافا لعادتهم في إبعادها عنه بالتمويه على الناس. ولهذا يقال أن رئيس وزراء المستبد أو رئيس قواده، أو رئيس الدين عنده، هم أقدر الناس على الإيقاع به، وهو يداريهم تحذرا من ذلك، وإذا أراد إسقاط أحدهم فلا يوقعه إلا بغتة. لمثيري الخواطر على الاستبداد طرائق شتى يسلكونها بالسر والبطء، يستقرون تحت ستار الدين، فيستنبتون غابة الثورة من بذرة أو بذورات يسقونها بدموعهم في الخلوات. وكم يلهون المستبد بسوقه إلى الاشتغال بالفسوق والشهوات، وكم يغررونه برضاء الأمة عنه، ويجسرونه على مزيد التشديد، وكم يحملونه على إساءة التدبير، ويكتمونه الرشد، وكم يشوشون على فكره بإرباكه مع جيرانه وأقرانه. يفعلون ذلك وأمثاله لأجل غاية واحدة، هي إبعاده عن الانتباه إلى سد الطريق التي فيها يسلكون. أما أعوانه، فلا وسيلة لإغفالهم عن إيقاظه غير تحريك أطماعهم المالية مع تركهم ينهبون ما شاؤوا أن ينهبوا. ومبنى قاعدة أنه يجب قبل مقاومة الاستبداد تهيئة ماذا يستبدل به الاستبداد هو: أن معرفة الغاية شرط طبيعي للإقدام على كل عمل، كما أن معرفة الغاية لا تفيد شيئا إذا جهل الطريق الموصل إليها، والمعرفة الإجمالية في هذا الباب لا تكفي مطلقا، بل لابد من تعيين المطلب والخطة تعيينا واضحا موافقا لرأي الكل، أو لرأي الأكثرية التي هي فوق الثلاثة أرباع عددا أو قوة بأس، وإلا فلا يتم الأمر؛ حيث إذا كانت الغاية مبهمة نوعا يكون الإقدام ناقصا نوعا، وإذا كانت مجهولة بالكلية عند قسم من الناس أو مخالفة لرأيهم فهؤلاء ينضمون إلى المستبد فتكون فتنة شعواء، ، وإذا كانوا يبلغون مقدار الثلث فقط، تكون حينئذ الغلبة في جانب المستبد مطلقا. ثم إذا كانت الغاية مبهمة ولم يكن السير في سبيل معروف، ويوشك أن يقع الخلاف في أثناء الطريق فيفسد العمل أيضا وينقلب إلى انتقام وفتن، ولذلك يجب تعيين الغاية بصراحة وإخلاص وإشهارها بين الكافة والسعي في إقناعهم واستحصال رضائهم بها ما أمكن ذلك، بل الأولى حمل العوام على النداء بها وطلبها من عند أنفسهم. وهذا سبب عدم نجاح الإمام علي ومن وليه من أئمة آل البيت رضي الله عنهم،ولعل ذلك كان منهم لا عن غفلة، بل عن مقتضى ذلك الزمان من صعوبة المواصلات وفقدان البوستات المنتظمة والنشريات المطبوعة آنذاك. والمراد أن من الضروري تقرير شكل الحكومة التي يراد ويمكن أن يستبدل بها الاستبداد، وليس هذا بالأمر الهين الذي تكفيه فكرة ساعات أو فطنة آحاد، وليس هو بأسهل من ترتيب المقاومة والمغالبة. وهذا الاستعداد النظري لا يجوز أن يكون مقصورا على الخواص، بل لابد من تعميمه وعلى حسب الإمكان ليكون بعيدا عن الغايات ومعضدا بقبول الرأي العام. وخلاصة البحث إنه يلزم أولا تنبيه حس الأمة بآلام الاستبداد، ثم يلزم حملها على البحث في القواعد الأساسية السياسية المناسبة لها بحيث يشغل ذلك أفكار كل طبقاتها، والأولى أن يبقى ذلك تحت مخض العقول سنين بل عشرات السنين حتى ينضج تماما، وحتى يحصل ظهور التلهف الحقيقي على نوال الحرية في الطبقات العليا، والتمني في الطبقات السفلى. والحذر كل الحذر من أن يشعر المستبد بالخطر، فيأخذ بالتحرر الشديد والتنكيل بالمجاهدين، فيكثر الضجيج، فيزيغ المستبد ويتكالب، فحينئذ إما تغتنم الفرصة دولة أخرى فتستولي على البلاد، ، وتجدد الأسر على العباد بقليل من التعب. فتدخل الأمة في دور آخر من الرق المنحوس، وهذا نصيب أكثر الأمم الشرقية في القرون الأخيرة. وإما أن يساعد الحظ بعدم وجود طامع أجنبي، وتكون الأمة قد تأهلت للقيام بأن تحكم نفسها بنفسها، وفي هذه الحال يمكن لعقلاء الأمة أن يكلفوا المستبد ذاته لترك أصول الاستبداد، وإتباع القانون الأساسي الذي تطلبه الأمة. والمستبد الخائر القوى لا يسعه عند ذلك إلا الإجابة طوعا، وهذا أفضل ما يصادف. وإن أصر المستبد على القوة، قضوا بالزوال على دولته، وأصبح كل منهم راع وكل منهم مسؤول عن رعيته، وأضحوا آمنين، لا يطمع فيهم طامع، ولا يغلبون عن قلة، ، كما هو شأن كل الأمم التي تحيا حياة كاملة حقيقية. بناء عليه فليتبصر العقلاء، وليتق الله المغرورون، وليعلم أن الأمر صعب، ولكن تصور الصعوبة لا يستلزم القنوط، بل يثير همة الرجل الأشم. ونتيجة البحث، أن الله جلت حكمنه قد جعل الأمم مسؤولة عن أعمال من تحكمه عليها، وهذا حق. فإذا لم تحسن أمة سياسة نفسها أذلها الله لأمة أخرى تحكمها، كما تفعل الشرائع بإقامة القيم على القاصر أو السفيه، وهذه حكمة. ومتى بلغت أمة رشدها، وعرفت للحرية قدرها، استرجعت عزها، وهذا حق. وهكذا لا يظلم ربك أحدا، إنما هو الإنسان يظلم نفسه، كما لا يذل الله قط أمة عن قلة، إنما هو الجهل يسبب كل علة. وإني أختم كتابي هذا بخاتمة بشرى، وذلك أن بواسق العلم وما بلغ إليه، تدل على أن يوم الله قريب. ذلك اليوم الذي يقل فيه التفاوت في العلم وما يفيده من القوة، وعندئذ تتكافأ القوات بين البشر، فتنحل السلطة، ويرتفع الغالب، فيسود بين الناس العدل والتوادد، فيعيشون بشرا لا شعوبا، وشركات لا دولا، وحينئذ يعلمون ما معنى الحياة الطيبة: هل هي حياة الجسم وحصر الهمة في خدمته، أم هي حياة الروح وغذاؤها الفضيلة؟ ويومئذ يتسنى للإنسان أن يعيش كأنه عالم مستقل خالد، كأنه نجم مختص في شأنه، مشترك في النظام كأنه ملك وظيفته تنفيذ أوامر الرحمن الملهمة للوجدان. تم الكتاب
__________________ نـَقـــُـــولُ : " أرْوَاحُـنــَـــا لله خـَالِـصَــــــة ٌ " و أغـْـلـَـبُ الـنـَّـاس ِ لـلـزِّنـْـدِيـق ِ قــَـدْ سَـجَــدُوا ! نـَقــُــولُ : " يَـــا رَبـَّنـَــا ثـَبـِّــتْ عَـزَائِـمَـنـَــا " لـكِــــنْ فـَرَائِـصُـنـَـــا لـلـوَغــْــدِ تـَرْتـَعِــــدُ ! ! ! |