يقول المفكر عبد الغفار شكر عن مفكرنا الراحل "لو كان الأمر بيده لعاش ألف عام يقاتل من أجل الوحدة العربية وحق شعوب الأمة العربية في الحرية والديموقراطية والتقدم والعدالة الاجتماعية ولكنها مشيئة الله التي قدرت أن يكون لكل أجل كتاب استمر فارس العرب عصمت سيف الدولة شاهرا سيفه حتى اللحظة الأخيرة من عمره يواجه به أعداء الأمة العربية فكان مثالا للقدرة على المقاومة بالرغم من كل الظروف المعاكسة المحيطة به وبالرغم من متاعبه الصحية".
د. عصمت سيف الدولة
فكانت كتب عصمت سيف الدولة في نقد المادية التاريخية والمادية الجدلية والماركسية بشكل عام لا تحظى بأي ود من النخبة المثقفة الماركسية التي ركزت قواعدها منذ منتصف الستينات في الاتحاد الاشتراكي ومعهد الدراسات الاشتراكية والصحافة والمسرح والسينما . ومن يعود لمجلة " الطليعة " الماركسية فيما كتبته في الستينات عن دعاة " الاشتراكية العربية " سيطالع فيها دروسا بليغة في فن " الهجاء والردح الإيديولوجي " قام به الماركسيون ضد كل من كتب عن " الاشتراكية العربية " . وهذا ما يفسر لماذا لم تكن كتابات " عصمت سيف الدولة " تلقى الترحيب في برامج التثقيف التي سيطر عليها بشكل ذكي الخارجون من الأحزاب الشيوعية المنحلة . و لم يكن لرجال عبد الناصر من الكفاءة الفكرية أو النظرية ما يمكنهم من إدعاء القدرة على مواجهتهم , وبقي عبد الناصر هو المفكر الحقيقي والوحيد لتجربته بينما اقتصر دور الآخرين على الترديد والتبرير النظري لما يقوله عبد الناصر .
وكأن المفكر الراحل عصمت سيف الدولة , لم يرغب في الرحيل عن عالمنا دون أن يحدد بنفسه , طبيعة علاقته الفكرية والمادية بعبد الناصر والناصرية ، تلك العلاقة التي تصورتها بعض العقول جامحة الخيال علاقة غريبة وغامضة . و كان يكفي لمعرفة هذه العلاقة العودة لكتاب سيف الدولة الممتاز " عن الناصريين وإليهم " عام 1987. ليتضح بجلاء موقفه الشخصي والسياسي والفكري من الرئيس عبد الناصر والناصريين , وقد ختم هذا الكتاب بدراسة فكرية أرادها عن الناصرية والناصريين , تبدو الآن وكأنها وصية سياسية من مفكر ومناضل سياسي كانت حياته كلها تجسيدا مثاليا ( ودراميا ) لأفكاره التي آمن بها ودفع ثمنا لها .
وكان " عصمت سيف الدولة " يقيم ويعمل ويجتهد على أرض مصر وأمام أعين مؤسسات الدولة الناصرية وأجهزتها الفكرية والسياسة والأمنية وكان دائما يبحث في إمكانية تخليص البطل من قبضتها وإعادته لجماهيره ليعاود بها ومعها انتصاراته ؟
منهج جدل الإنسان
وحسبما يرى الدكتور صفوت حاتم فإن المنهج الذي أبدعه " الدكتور عصمت سيف الدولة " وكان مدعاة لإعجاب فيلسوف الوضعية المنطقية " زكى نجيب محمود " ومئات المثقفين والحكام العرب هو منهج " جدل الإنسان "
وفكرة جدل الإنسان مبسطة تقوم على حكم استخلصه مفكرنا الراحل من التضاد القائم بين فلسفتين كانا لهما حظ كبير من الذيوع والتأثر الفكري في القرنين التاسع عشر والعشرين هما الفلسفة " الجدلية المثالية " التي أبدعها الفيلسوف الألماني "هيجل" والأخرى هي الفلسفة " الجدلية المادية "التي أبدعها " كارل ماركس " . الأولى تقصر التطور أو "ا لجدل" على مسار الفكر الخالص وحده . والثانية تقصر التطور على مسار المادة وحدها . وعلى هذا فان الدكتور عصمت سيف الدولة يعتبر أن كلا من الفلسفة المثالية والفلسفة المادية قد بدأتا من فرضيتين ميتافيزيقيتين مختلفتين . وان كانت موحدتي النتائج ، فالفلسفة المثالية تأخذ بأسبقية الفكر على المادة . والفلسفة المادية تأخذ بأسبقية المادة على الفكر. أما عصمت سيف الدولة فيشارك الوضعيين اعتقادهم أن حسم تلك القضية لا يخضع للإثبات العلمي والتجربة العلمية . ومن ثم فتقدير أسبقية أحدهما على الآخر في الوجود هو نوع من الغيبية " الميتافيزيقية " التي لا تستند على وسائل العلم وطرقه في البحث . بل أن هذا التقدير لا يعدو أن يكون مجرد استنتاجات عقلية مهما ادعت استنادها على العلم.
الوحيد الذي يتدخل في الطبيعة ليعيد تشكيلها وفق إرادته. ولو لم يجد الإنسان ووعيه لبقيت الطبيعة " متحولة " وفق قوانينها النوعية وبعد أن يثبت " عصمت سيف الدولة " أن المادة غير جدلية وبعد أن يرفض الجدل المثالي يمضى لبناء منهجه الفكري الذي يقوم على أن الجدل يقوم في الإنسان . فالإنسان مدفوع دائما إلي إشباع حاجته المادية والمعنوية . وأن هذا هو الباعث على حركة الإنسان وتطوره. إذ أن إشباع حاجات معينة ـ سواء كانت مادية أو معنوية ـ يعنى انبثاق حاجات جديدة وهكذا إلي مالا نهاية.
مناضل من أجل حرية الإنسان
ولم يكن " عصمت سيف الدولة " مفكرا أو فيلسوفا معزولا عن الواقع والناس ومشاكل أمته العربية . أو فيلسوفا ينادى بالحرية الإنسانية دونما التزام سياسي أو تضحية مستمرة ، أبدا . حيث وظف موهبته القانونية النادرة ( والتي شهد لها فقهاء القانون في العالم العربي ) لخدمة قضايا الحرية عندما كانت هذه الأخيرة تستدعى وجوده . لهذا وقف " عصمت سيف الدولة " يدافع عن الشعب الذي خرج في 18و19 يناير 1977 ليدافع عن حقه في العيش بكرامة أمام من سموا انتفاضته " بانتفاضة الحرامية " . وقف " عصمت سيف الدولة " يشير بأصابع الاتهام إلي المجرم الحقيقي الذي هدد لقمة عيش المواطن ، ولأول مرة في تاريخ القضاء المصري ينجح عصمت سيف الدولة في إبطال الأخذ بالصور الفوتوغرافية كدليل اتهام بعد أن نجح في إثبات سهولة تزوير الصور أو صنعها بما يأتي مع مصلحة أجهزة الأمن أو الادعاء . وهى المرافعة التي نشرت فيما بعد تحت عنوان " دفاعا عن الشعب ".
الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر
كما ترافع " عصمت سيف الدولة " " متطوعا " عن المتهمين فيما سمى بقضية " الحزب الشيوعي المصري " على الرغم من خلافه العميق " منهجيا " مع الشيوعية والشيوعيين ( ومنهم من كان لا يحمل ودا ـ قليلا أو كثيرا ـ لفكر "عصمت سيف الدولة"وهى المرافعة التي نشرت فيما بعد تحت عنوان " دفاعا عن الوطن ".
وهكذا توالت مرافعاته القانونية أمام المحاكم المصرية "مدافعا" عن كل ضحايا الاستبداد والظلم من كل الاتجاهات السياسية.
سيف الدولة وعبد الناصر
وعلى الرغم من أن فكر "عصمت سيف الدولة" يمكن أن يحسب بشكل عام داخل إطار الفكر القومي التقدمي الاشتراكي الذي فجرته تجربة الزعيم الراحل " جمال عبد الناصر وممارساته السياسية خلال عقدي الخمسينات والستينات. إلا أن أفكار " عصمت سيف الدولة " ستظل مطبوعة باجتهاد صاحبها وشخصيته واستقلاليته المنهجية .
وظلت مسألة تمايز " الدكتور عصمت سيف الدولة " عن تجربة " جمال عبد الناصر " أحد القضايا " الغامضة : التي تشغل بال الكثيرين . حتى أجاب هو عليها في سنواته الأخيرة حين أصدر كتابه " عن الناصرين واليهم " وفيه يقول :" حينما كانت الحركة الجماهيرية القومية منتصرة تحت قيادة عبد الناصر كتبت ما كتبت حاثا ومحرضا جماهير الأمة العربية وقيادتها على عدم التوقف عند الوحدة الجزئية ، وعدم الاكتفاء بوحدة القيادة ووحدة الحركة بدون وحدة التنظيم . وساندت بالدراسات المكتوبة التي لم تنسب إلي قط كثيرا من القوى القومية المناضلة ضد التجزئة في كثير من الأقطار العربية . ولم أكتب شيئا قط عن مصر تحت قيادة عبد الناصر التي كانت الأمة العربية قد كسبتها قاعدة قائدة انصرفت فيها إلي تأصيل الوحدة وتبرير التضحيات من أجلها والتوحيد بينها وبين النصر في كل معارك التحرر والتقدم ..
وقد عوتبت أيامها على أنني لم أذكر في كتبي لا مصر ولا الميثاق ، ولا حتى عبد الناصر ، وكان المعاتب صديقا قديما لي ومن أقرب الناس إلي عبد الناصر . وكان ردي أنني أقاتل بما أكتب في سبيل أمتي ووحدتها القومية حيث تدور المعارك مع الأعداء واحتمالات النصر أو الهزيمة . ولست معنيا ، ولا أنا أجيد ترتيل أناشيد النصر للمنتصرين .. ومصر عبد الناصر ( 1966 ) منتصرة فهي في غير حاجة إلي وخسرت كثيرا وكثيرين لم يفهموا ذلك الموقف . ولكنى لم أعبأ بالتوقف لمعرفة ماذا ومن خسرت .. كان الأكثر استحقاقا للانتباه مساندة الحركة المنتصرة حتى يتحقق النصر الأخير .. فرأى من رأى أنني أستحق لقب " قومي " وكان ذلك بالنسبة لي كسبا عظيما ".ولكن قبل أن ينتقل عبد الناصر إلي رحاب ربه بسنوات قليلة كان قد مر بأكثر معاركه مرارة وألما : نكسة يونيو / حزيران..الهزيمة التي مزقت كثيراً من الأفئدة في الوطن العربي .
وراح " المنافقون " والمهتزون والمذبذبون يخوضون في أسباب النكسة بغرض تصفية حساباتهم مع عبد الناصر . ووجدت فيها منظمات وأحزاب طالما نافقت عبد الناصر الفرصة متاحة للانتقام من الرجل الذي حكم عليها بالذيلية الجماهيرية لسنوات طويلة . وهكذا ظهرت المعلقات اليسارية عن " البورجوازية الصغيرة المنهزمة " ونظريات " الحرب الشعبية " والمقاومة الفلسطينية التي سترد على هزيمة البورجوازية الصغيرة وتحرير فلسطين الذي سيفتح الطريق للوحدة العربية ؛؛ .. إلي آخر " المعلقات " التي أطلقتها في ساحة العمل السياسي كل الفئات الصبيانية المنفلتة في الأحزاب التي همشتها زعامة عبد الناصر وقيادته للجماهير العربية .
ومن بين ما كتب عن مفكرنا الراحل عصمت سيف الدولة كان على يد المفكر طارق البشري الذي قال في رثاءه : "الصديق الحبيب د. عصمت سيف الدولة عرفته طبعا وقرأت له وتابعته منذ 1958 وهى مدة حفلت بفراغات في نحو العشر سنين الأولى ورغم القراءة والمتابعة لم أضع يدي على مفتاح شخصيته الإنسانية والفكرية بما يحدد ملمحه العام في خط أو خطين ، لم يتهيأ لي ذلك إلا في رحلة إلي ليماسول بقبرص في خريف 1983 لحضور ندوة عن الديموقراطية في الوطن العربى كان أكبر المصريين فيها المرحوم الاستاذ فتحى رضوان وفينا عصمت سيف الدولة ووجدت بينهما في التخاطب والتعامل خيطا سريا أو شريانا دفينا وتناغما حميما جدا فوجدت المفتاح .
وقد شرق عصمت وغرب في ثقافته وهو نهم يأكل الأفكار أكلا ولكنه ذو معدة فكرية متينة تهضم وتتمثل وهو مهما غرب بقى شرقيا ومهما أخذ من فكر أهل الشمال ظل جنوبيا واشتراكيته لم تنقله قط إلي الشمال ولا إلي الغرب ولو بلمسة أصبح ولا بخطرة فكر ولا بلعقه لسان وصعد بالثقافة إلي مجال الفلسفة وقال بالجدل كشأن هيجل وماركس ولكنه أسماه جدل الإنسان وبجل الإنسان ينفتح الطريق إلي عالم الغيب تكلم عن نظم الحكم والديموقراطية ولكن ظل "الوطن " هو الحاضر لأي نظام . وكتب عن الإسلام والعروبة تشعب بنا الحديث يوما عن الدين وبدأت أتكلم فصرفني برفق صادق الود وقال أخي عندما يرد الحديث عن الدين فأنت تكلم مسلما يعرف معنى هذه الكلمة فكرا وثقافة وموقفا فقلت عفوا أنني كنت أستطرد في الحديث .
أهم مؤلفاته :
من مؤلفات الدكتور / عصمت سيف الدولة
أسس الاشتراكية العربية 1965
أسس الوحدة العربية 1965
الطريق إلى الوحدة العربية 1966
الطريق إلى الاشتراكية العربية 1967
وحدة القوى العربية التقدمية 1968
ما العمل ؟ حول هزيمة 1967 صدر عام 1969
الطريق إلى الديموقراطية 1971
الوحدة ومعركة تحرير فلسطين 1971
نظرية الثورة العربية 1972
النظام النيابي ومشكلة الديموقراطية 1975
الحركة الطلابية 1975
الأحزاب ومشكلة الديموقراطية في مصر 1976
هل كان عبد الناصر ديكتاتورا ؟ 1977
التقدم على الطريق المسدود 1977
إعدام السجان 1978
حوار مع الشباب العربي 1978
رأسماليون وطنيون ورأسمالية خائنة 1979
هذه المعاهدة 1980
دفاع عن الشعب 1980
الاستبداد الديموقراطي 1980
دفاع عن الوطن 1980
هذه الدعوة للاعتراف المستحيل 1983
عن العروبة والإسلام 1986
دفاع عن ثورة مصر العربية 1990
الشباب العربي و مشكلة الانتماء 1991
مذكرات قرية ـ الجزء الأول 1994
مذكرات قرية الجزء الثاني 1995